فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 151

وفي غمرة هذا الموقف العظيم الذي تتسامى فيه النفوس عن مستوى شهوات الدنيا, وترتقي فيه القلوب والأرواح الى بارئها الرحيم, يتخاذل الشيطان ويتصاغر, وتتهاوى وسوساته وشروره صريعة أمام صدق الدعاء وخالص التضرّع والرجاء, فتشرق أرض عرفات بأنوار صلة قلوب المؤمنين بخالقها العظيم الرحيم, فلا يبقى فيها شبر ولا موضع قدم الا وقد أصابه غيث عفو الله ورحمته, فما يرى الشيطان _كما جاء في الحديث الشريف_ يوما هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أغيظ ولا أحقر منه يوم عرفة, وما ذلك الا مما يرى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذموب العظام. وذلك حيث يفيض المولى سبحانه بكرمه على عباده الذين رفعوا أكفهم اليه ضارعين تائبين باكين, فبغفر لهم جميعا, فما يكون يوم أكثر عتيقا من النار من يوم عرفة, ويتطوّل الله تعالى على عباده, فيهب مسيئهم لمحسنهم, ويعطي محسنهم ما سأل.

فاذا كانت عشية عرفة لم يبق أحد في قلبه مثقال حبة من خردل من ايمان الا غفر له. هكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله أهل عرفة خاصة قال: بل للمسلمين عامّة.

أيها الاخوة المؤمنين:

بسبب هذه الفيوضات الاهية الغامرة والرحمات الربانية الوافرة التي تزخر في أجواء عرفات أعلن الرسول عليه الصلاة والسلام قائلا:"الحج عرفة"فان قمّة الخضوع والتذلل والضراعة والابتهال والدعاء الذي يشيع في مناسك فريضة الحج يكون في موقف عرفات, حيث يتحقق فيه الانصراف الكامل عن الدنيا وملذاتها وشهواتها والاقبال المطلق على الله رب العالمين, وهذا ما بيّنه الله رب العالمين, وهذا ما بيّنه رسول الله بقوله:"خير الدعاء يوم عرفة, وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا اله الا الله وحده لا شريك له, له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير", وبقوله:"ان هذا اليوم من ملك فيه سمعه وبصره ولسانه غفر له".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت