كما كان حاضرا معهم في بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الزبير بن العوام و طلحة بن عبيد الله، و قد أغلق باب البيت أمام الآخرين. أما بقية المهاجرين و بعض الأنصار مثل أُسَيْد بن حُضَيْر فقد اجتمعوا حول أبي بكر في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، إذ جاءهم رجل، على غير انتظار، يخبرهم أن طائفة من الأنصار على رأسهم"سعد بن عبادة"قد اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة، و أنهم في صدد تعيين خليفة لإمامة و حكومة المسلمين فإن كان لكم بأمر الناس (أي بأمر الرئاسة و الحكم) حاجة فأدرِكوا الناس قبل أن يتفاقم أمر الأنصار [1] ?، عند ذاك ترك عمر و أبو? بكر (رضي الله عنهما) حضور مراسم الدفن و أوكلوه لمن له الكفاية لذلك من أهل بيته صلىلله عليه وآله ـ إذ لم يكن بعد قد فُرِغَ من تجهيزه و دفنه صلىلله عليه وآله و كان أهل بيته قد أغلقوا باب بيته صلىلله عليه وآله دون الناس ـ و هرعا مسرعين إلى سقيفة بني ساعدة إثر وقوفهما على خبر اجتماع جماعة الأنصار فيها، و سرعان ما وصلا إلى السقيفة ليجدوا الأنصار قد عصَّبوا"سعد بن عبادة"رضي الله عنه بعصابة وأجلسوه في وسط السقيفة، و كان يخطب فيهم، إلا أن صوته كان ضعيفا لشدة مرضه، فكان ابنه قيس بن سعد، ينقل كلامه جملة جملة بصوت مرتفع للمجتمعين [2] [7] .
و قبل أن ننقل خطبة سعد بن عبادة، لا بد أن نشير إلى أن بعض الروايات تذكر أن أبا بكر كان ـ غداة ارتحال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ في قرية من القرى المجاورة للمدينة تدعى"السنح"و لم يكن قد اطلع بعد على خبر وفاة النبي صلىلله عليه وآله، و أن عمر و أبوعبيدة (رضي الله عنهما) ذهبا أولا لوحدهما للسقيفة لإدراك ما يجري فيها و لكنهما لما وجدا نفسيهما وحيدين أمام جماعة الأنصار و احتجاجهم، و تحيرا ما يكون ردهما المناسب للحيلولة دون تمام البيعة بالخلافة لسعد بن عبادة رضي الله عنه، سأل عمر رضي الله عنه: ما الخطب؟ و بمجرد أن أجابوه بأن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد قُبِضَ و أن الأنصار في صدد تعيين خليفة له أمتشق سيفه وصاح: بل إن رسول الله لم يمت و كل من زعم ذلك أدبته بسيفي هذا بل قد ذهب إلى ربه كما ذهب موسى و ليرجعن ثانية ليكمل دينه!، ثم أرسل إلى أبي بكر رضي الله عنه من يطلعه على ما وقع فخرج أبو بكر رضي الله عنه فورا من"السنح"إلى المدينة قاصدا بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فلما رأى جسده و تأكد من وفاته، لحق بالسقيفة وسأل عمر رضي الله عنه لماذا هذا الاجتماع؟ فما أن أجابه عمر رضي الله عنه بأن السبب إرادة الأنصار نصب خليفة لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لشيوع نبأ وفاته و أنه أنكر ذلك النبأ الإنكار، إلا وصاح أبو بكر قائلا: [أيها الناس من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، و من كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت] ثم أخذ زمام الكلام في هذا الاجتماع و بدأ بكلمته. ولكن هذه الرواية لا تخلو من الإشكال [3] [8] و الرواية الأصح و التي نقلتها أكثر التواريخ هي ما ذكرناه أولا، من خروج أبي بكر و عمر مجتمعين من البداية من مسجد رسول الله إلى السقيفة، و يؤكد أرجحية هذه الرواية أن إمامة الصلاة في فترة مرضه (صلى الله عليه وآله وسلم) كانت موكولة لأبي بكر رضي الله عنه، وهذا ينفي كونه في"السنح".
و الآن نعود إلى السقيفة لننقل نص خطبة سعد بن عبادة كما أوردها ابن قتيبة في كتابه"الإمامة و السياسة"، قال: (( فكان مما قاله رضي الله عنه، بعد أن حمد الله تعالى و أثنى عليه: يا معشر الأنصار إن لكم سابقة في الدين و فضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبث في قومه بضع عشرة سنة، يدعوهم إلى عبادة الرحمن، و خلع الأوثان، فما آمن به من قومه إلا قليل، والله ما كانوا يقدرون أن يمنعوا [4] [9] رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، و لا يعرفوا دينه، و لا يدفعوا عن أنفسهم، حتى أراد الله تعالى لكم الفضيلة، و ساق إليكم الكرام، و خصَّكم بالنعمة، و رزقكم الإيمان به و برسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) و المنع له ولأصحابه و الإعزاز لدينه، و الجهاد لأعدائه، فكنتم أشد الناس على من تخلف عنه منكم، و أثقله على عدوكم من غيركم، حتى استقاموا لأمر الله تعالى طوعا و كرها، و أعطى البعيد المقادة [5] [10] صاغرا داحرا، حتى أثخن الله تعالى لنبيه بكم الأرض، و دانت بأسيافكم له العرب، و توفَّاه الله تعالى و هو راض عنكم قرير العين، فشدوا أيديكم بهذا الأمر، فإنكم أحق الناس وأولاكم به. قال: فأجابوه جميعا: أن قد وُفِّقْتَ في الرأي، و أصبت في القول، ولن نعدو، ما رأيت، توليَتَكَ هذا الأمر، فأنت مَقْنَع و لِصَالِح المؤمنين رضا )) [6] [11] .
و بعد أن أكمل سعد كلمته و سكت، أراد عمر رضي الله عنه أن يتكلم، كما يروى ذلك عنه ابن هشام في سيرته، فقال عمر رضي الله عنه: (( ... فلما سكت(أي سعد) أردتُ أن أتكلم و قد زَوَّرْتُ في نفسي مقالة قد أعجبتني، أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر رضي الله عنه و كنت أداري منه بعض الحد [7] [12] ، فقال أبو بكر: على رسلك يا عمر، فكرهت أن أغضبه، فتكلَّمَ، وكان أعلم مني و أوقر، فوالله ما ترك من كلمة أعجبتني من تزويري إلا قالها في بديهته، أو مثلها أو أفضل، حتى سكتَ. قال: أما ما ذكرتم فيكم من خير، فأنتم له أهل، و لن تعرف
(1) أنظر سيرة ابن هشام ج 4 / ص 656 (القاهرة، بتحقيق السقا و الأبياري و الشلبي) (مت) .
(2) أنظر"الإمامة و السياسة"لابن قتيبة، ج 1 / الصفحة 12 (القاهرة، بتحقيق الد. طه محمد الزيني) (مت)
(3) علاوة على تعارض هذه الرواية مع أخبار أخرى عديدة، فإن الإشكال الرئيس في هذه الرواية هو أن تحققها العملي بعيد جدا، ذلك أن عمر لم يكن يمتلك لاسلكي حتى يخبر أبو بكر بهذه السرعة بالخبر، كما لم يكن لدى أبي بكر طائرة مروحية (هليكوبتر) و لا سيارة سريعة لينطلق بها بسرعة من السنح إلى بيت رسول الله ليتأكد من رحلته، ثم من بيت الرسول إلى السقيفة!! بل من الطبيعي أن الوقت الذي يأخذه إرسال عمر لرجل إلى السنح ثم ذهاب أبي بكر ـ الرجل المسن ـ بعد سماعه الخبر، من السنح إلى المدينة ثم من المدينة إلى السقيفة، وقت طويل يتجاوز عدد من الساعات، لا سيما أنه لم يكن هناك طريق أوتوستراد بين السنح و المدينة!! و لا شك أنه لا يمكن للأنصار أن يكونوا قد جلسوا منتظرين في السقيفة واضعين يدا على يد كل هذه المدة بل لا بد أن يكونوا قد أجابوا على إنكار عمر وفاة رسول الله و استمروا في كلامهم و لكانت حادثة السقيفة اتخذت مجرى آخر تماما. ( x)
(4) المنع هنا القصود به الدفاع عن رسول الله (ص) و كف أذى الأعداء عنه. (مت)
(5) أعطى المقادة: خضع لحكم المسلمين و قيادتهم له. (مت)
(6) المرجع السابق، صفحة 12 ـ 13. (مت)
(7) الحد: أي كان في خلق عمر رضي الله عنه حدَّة، كان يسترها عن أبي بكر رضي الله عنه. (مت)