العرب هذا الأمر إلا لهذا الحيّ من قريش، هو أوسط العرب نسبا [1] [13] ودارا [2] [14] قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين، فبايعوا أيهما شئتم، و أخذ بيدي و بيد أبي عبيدة الجراح، قال (عمر) : و هو جالس بيننا، و لم أكره شيئا مما قاله (أي أبو بكر) غيرها، كان و الله أن أُقَدَّمَ فتُضْرَبَ عنقي، لا يُقَرِّبني ذلك إلى إثم، أحب إليَّ من أن أتأمَّرَ على قوم فيهم أبو بكر )) [3] [15] .
و قد أورد اليعقوبي في تاريخه نص ما قاله أبو بكر في ثنائه وتزكيته لعمر ولأبي عبيدة رضي الله عنه فقال: [ ... و هذا عمر بن الخطاب الذي قال رسول الله: اللهم أعز الدين به! و هذا أبو عبيدة الجراح الذي قال رسول الله: أمين هذه الأمة، فبايعوا أيهما شئتم. فأبيا (أي عمر و أبو عبيدة) عليه و قالا: والله ما كنا لنتقدمك، و أنت صاحب رسول الله و ثاني اثنين. فضرب أبو عبيدة على يدي أبي بكر، و ثنَّى عمر، ثم بايع من كان معهم من قريش] [4] [16] .
أما ابن قتيبة فقد أورد ـ في الإمامة و السياسة"ـ خطبة أبي بكر رضي الله عنه بشكل أكثر تفصيلا على النحو التالي [ ... فتشهد أبو بكر رضي الله عنه و انتصب له الناس، فقال: إن الله جل ثناؤه بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى و دين الحق، فدعا إلى الإسلام، فأخذ الله تعالى بنواصينا و قلوبنا إلى ما دعا إليه، فكنا معشر المهاجرين أول الناس إسلاما والناس لنا فيه تبع. و نحن عشيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، و نحن مع ذلك أوسط العرب أنسابا، ليست قبيلة من قبائل العرب إلا ولقريش فيها ولادة. وأنتم أيضا والله، الذين آوَوْا و نصروا. و أنتم وزراء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنتم أيضا إخواننا في كتاب الله تعالى و شركاؤنا في دين الله سبحانه وتعالى و فيما كنا فيه من سرّاء و ضرّاء، و الله ما كنا في خير قط إلا كنتم معنا فيه، فأنتم أحب الناس إلينا وأكرمهم علينا، و أحق الناس بالرِّضا بقضاء الله تعالى والتسليم لأمر الله عز وجل و لما ساق لكم و لإخوانكم المهاجرين رضي الله عنهم، و هم أحق الناس فلا تحسدوهم و أنتم المؤثرون على أنفسهم حين الخصاصة، والله ما زلتم مؤثرين إخوانكم من المهاجرين و أنتم أحق الناس أن لا يكون هذا الأمر و اختلافه على أيديكم و أبعد ألا تحسدوا إخوانكم على خير ساقه الله تعالى إليهم و إنما أدعوكم إلى أبي عبيدة أو عمر و كلاهما قد رضيت لكم ولهذا الأمر وكلاهما له أهل. فقال عمر و أبو عبيدة رضي الله عنهما: ما ينبغي لأحد الناس أن يكون فوقك يا أبا بكر رضي الله عنه، أنت صاحب الغار و ثاني اثنين وأمَرَكَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالصلاة فأنت أحق الناس بهذا الأمر] [5] [17] ."
و الآن لنر ماذا كان موقف الأنصار تجاه أبي بكر رضي الله عنه؟ ذكرت جميع كتب التواريخ و السير أن جواب الأنصار كان ـ كما يروي ابن قتيبة ـ: [فقال الأنصار: والله ما نحسدكم على خير ساقه إليكم و إنا لكَمَا وصفتَ يا أبا بكر والحمد لله، و لا أحد من خلق الله تعالى أحبَّ إلينا منكم، و لا أرضى عندنا ولا أيمن ولكنا نشفق مما بعد اليوم، و نحذر أن يغلب على هذا الأمر من ليس منا و لا منكم، فلو جعلتم اليوم رجلا منا و رجلا منكم بايعنا و رضينا على أنه إذا هلك اخترنا آخر من الأنصار فإذا هلك اخترنا آخر من المهاجرين أبدا ما بقيت هذه الأمة، كان ذلك أجدر أن يُعْدَل في أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، و أن يكون بعضنا يتبع بعضا فيشفق القرشي أن يزيغ فيقبض عليه الأنصاري و يشفق الأنصاري أن يزيغ فيقبض عليه القرشي. عندئذ قام أبو بكر فحمد الله و أثنى عليه وقال: إن الله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وآله وسلم رسولا إلى خلقه و شهيدا على أمته ليعبدوا الله و يوحدوه و هم إذ ذاك يعبدون آلهة شتى يزعمون أنها شافعة لهم وعليهم بالغة نافعة، و إنما كانت حجارة منحوتة، و خُشُبًَا منجورة، فاقرؤوا إن شئتم"إنكم و ما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون"،"ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم و لا ينفعهم و يقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله"، وقالوا:"ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى"، فعظم على العرب أن يتركوا دين آبائهم، فخص الله تعالى المهاجرين الأولين بتصديقه، و الإيمان به، والمواساة له، و الصبر معه على الشدة من قومهم، و إذلالهم و تكذيبهم إياهم، و كل الناس مخالف عليهم، زارٍ[6] [18] عليهم، فهم أول من عبد الله في الأرض، وأول من آمن بالله تعالى و رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، و هم أولياؤه و عشيرته، وأحق الناس بالأمر من بعده، لا ينازعهم فيها إلا ظالم، و أنتم يا معشر الأنصار، من لا ينكر فضلهم ولا النعمة العظيمة لهم في الإسلام، رضيكم الله تعالى أنصارًا لِدِينه ولرسوله وجعل إليكم مهاجرته، فليس بعد المهاجرين الأولين أحد عندنا بمنزلتكم، فنحن الأمراء و أنتم الوزراء، لا نفتات [7] [19] دونكم بمشورة و لا تنقضي دونكم الأمور.
فقام الحباب بن المنذر بن زيد بن حرام رضي الله عنه فقال: يا معشر الأنصار املكوا عليكم أيديكم، فإنما الناس في فيئكم و ظلالكم، و لن يجترئ مجترئ على خلافكم، و لن يصدر الناس إلا عن رأيكم، أنتم أهل العز و الثروة، و أولو العدد والنجدة، و إنما ينظر الناس ما تصنعون، فلا تختلفوا فيفسد عليكم رأيكم، و تقطع أموركم، أنتم أهل الإيواء و النصرة و إليكم كانت الهجرة ولكم في السابقين الأولين مثل ما لهم، و أنتم أصحاب الدار و الإيمان من قبلهم، و اللهِ ما عبدوا الله علانيةَ إلا في بلادكم و لا جُمِعَت الصلاة إلا في مساجدكم و لا دانت العرب للإسلام إلا بأسيافكم، فأنتم أعظم الناس نصيبا في هذا الأمر، و إن أبى القوم فمنا أمير و منهم أمير.
(1) أوسط العرب نسبا: أشرفهم. (مت)
(2) و دارا: بلدا، و هي مكة لأنها أشرف البقاع. (مت)
(3) سيرة ابن هشام، ج 4 / ص 659. (مت)
(4) تاريخ اليعقوبي: ج 2/ ص 82 (من طبعة عام 1375 هـ.)
(5) الإمامة و السياسة: ج 1 / ص 13. (مت)
(6) زارٍ لهم: أي عائب عليهم و محقر لهم. (مت)
(7) افتات عليه: طغى على حقه و استأثر به. (مت)