الملل و النحل ـ مثل سعد بن عبد الله الأشعري، الذي يعد من كبار علماء و محدثي الشيعة، في كتابه المقالات و الفرق (ص78) ـ أدت هذه الإجابة إلى رجوع كثيرين ممن كانوا يعتقدون بإمامة حضرة الصادق عن القول بإمامة الصادق بحجة [أن الإمام لا يكذب و لا يقول ما لا يكون!] .
و أيا كان، فالمهم أن هذا الأمر بحد ذاته يدل دلالة واضحة على أن نفس حضرة الصادق لم يكن يعلم من هو الإمام الذي سيكون من بعده فعلا؟ و بالتالي لم يكن لديه أي خبر عن أحاديث النص على الأئمة الاثني عشر واحدا واحدا بأسمائهم، كحديث اللوح لجابر و غيره!.
2 ـ أيضا من مسلمات التاريخ قصة وفاة محمد بن علي بن محمد الجواد المعروف بـ"السيد محمد"، و المدفون في قرية يقال لها"بلد" (على تسعة فراسخ من سامراء) في العراق، في حياة والده حضرة الإمام علي بن محمد النقي عليه السلام، بعد أن كان والده قد عينه للإمامة من بعده، فلما توفي قبل وفاة والده اعتذر الإمام النقي عن ذلك بنفس اعتذار الصادق حيث قال: [بدا لِلَّهِ في محمد] .
و كُتُبُ الشيعة مملوءة بذكر هذه القصة من جملة ذلك ما جاء في كتاب الحجة من أصول الكافي للكليني: [عن موسى بن جعفر بن وهب عن علي بن جعفر قال: كنت حاضرا عند أبي الحسن عليه السلام (أي الإمام علي الهادي) لما توفي ابنه محمد، فقال للحسن: يا بني! أحدِثْ لِلَّهِ شكرا فقد أحدث فيك أمرا] [1] [6] . أي أن الإمام الهادي قال لابنه الحسن العسكري اشكر الله لأنه أحدث فيك رأيا جديدا فأعطى الإمامة لك بعد أن كانت ستعطى لأخيك. قال المرحوم الفيض الكاشاني في كتابه الوافي (ص93) معلقا على هذا الحديث: [بيان: يعني جعلك الله إماما للناس بموت أخيك قبلك، بدا لله فيك بعده] .
و في الكافي أيضا: [عن أحمد بن محمد بن عبد الله بن مروان الأنباري قال: كنت حاضرا عند مُضيِّ (أي وفاة) أبي جعفر محمد بن علي، فجاء أبو الحسن عليه السلام فوُضِعَ له كرسي فجلس عليه و حوله أهل بيته، و أبو محمد قائم في ناحية، فلما فُرِغَ من أمر أبي جعفر، التفت إلى أبي محمد فقال: يا بُنَيّ! أحدِثْ لِلَّهِ شكرا فقد أحدثَ فيك أمرا .. ] [2] [7] .
و في الكافي أيضا: [عن جماعة من بني هاشم منهم حسن بن حسن الأفطس، أنهم حضروا يوم توفي محمد بن علي بن محمد باب أبي الحسن يعزونه وقد بسط له في صحن داره و الناس جلوس حوله فقالوا: قدرنا أن يكون حوله من آل أبي طالب و بني هاشم و قريش مائة و خمسون رجلا سوى مواليه وسائر الناس، إذ نظر إلى الحسن بن علي قد جاء مشقوق الجيب حتى قام عن يمينه ونحن لا نعرفه فنظر إليه أبو الحسن بعد ساعة فقال: يا بني! أحدِثْ لله عز و جل شكرا فقد أحدَثَ فيك أمراُ، فبكى الفتى و حَمِدَ الله تعالى واسترجع وقال: الحمد لله رب العالمين، و أنا أسأل الله عز و جل بمنه تمام نعمه لنا فيك، و إنا لله و إنا إليه راجعون. فسألنا فقيل هذا الحسن ابنه، و قدَّرْنا له في ذلك الوقت عشرين سنة أو أرجح، فيومئذ عرفناه و علمنا أنه قد أشار إليه بالإمامة و أقامه مقامه] [3] [8] .
و أخرج الكليني حديثا آخر أيضا في هذا الأمر، و هو حديث أخرجه كذلك"الشيخ الطوسي"في كتابه"الغيبة" (ص130، طبع تبريز) بسند آخر و لفظ مختلف قليلا عما في الكافي فقال (و اللفظ للطوسي) : [روى سعد بن عبد الله الأشعري قال: حدثنا أبو هاشم داود بن قاسم الجعفري قال: كنت عند أبي الحسن (أي الإمام علي النقي) وقت وفاة ابنه أبي جعفر (أي السيد محمد) و قد كان أشار إليه و دل عليه، فإني لأفكر في نفسي و أقول هذا قضية أبي إبراهيم (أي الإمام موسى الكاظم) و اسماعيل، فأقبل عليَّ أبو الحسن فقال: نعم يا أبا هاشم! بدا لِلَّه تعالى في أبي جعفر و صيَّر مكانه أبا محمد كما بدا لِلَّه في اسماعيل بعد ما دل عليه أبو عبد الله و نصبه، و هو كما حدَّثتَ به نفسك و إن كره المبطلون، أبو محمد ابني الخلف من بعدي عنده علم ما يحتاج إليه و معه آلة الإمامة] [4] [9] .
و هناك عدة أحاديث أخرى في أصول الكافي في نفس الباب بنفس هذا المضمون و كذلك في كتاب الغيبة للطوسي. و هذه الأحاديث تدل على أنه لدى وفاة السيد محمد بن الإمام علي بن محمد النقي، لم يكن أحد ـ حتى من خواص أصحاب الأئمة ـ يعرف حضرة الإمام الحسن العسكري ـ حتى مجرد المعرفة ـ فضلا عن أن يكون له علم بإمامته، و منهم أبو هاشم الجعفري راوي الحديث الذي فكر في نفسه كيف توفي محمد بن الإمام علي النقي، في حياة والده، مع كونه عُيِّنَ للإمامة بعد والده؟! ثم قاس ذلك في ذهنه على ما حدث لاسماعيل الذي توفي في حياة والده جعفر الصادق.
لكن الوضَّاعين الكذبة وضعوا على لسان أبي هاشم الجعفري هذا نفسه حديثا طويلا فيه نص الرسول (صلىلله عليه وآله) على الأئمة الاثني عشر واحدا واحدا بأسمائهم!! و الحديث أخرجه الكليني في الأصول من الكافي [5] [10] و الصدوق في كتابه إكمال الدين (باب 29 ما أخبر به الحسن بن علي بن أبي طالب من وقوع الغيبة: ص181) و نقله عنهما الشيخ"الحر العاملي"في كتابه:"إثبات الهداة" (ج2/ص283) كما يلي (و اللفظ كما في إكمال الدين) :
[و عن عدة من أصحابنا عن"أحمد بن عبد الله محمد البرقي"عن"أبي هاشم داود بن القاسم"
(1) الأصول من الكافي: كتاب الحجة: باب الإشارة و النص على أبي محمد عليه السلام، الحديث الرابع.
(2) الأصول من الكافي: كتاب الحجة: باب الإشارة و النص على أبي محمد عليه السلام، الحديث الخامس.
(3) الأصول من الكافي: كتاب الحجة: باب الإشارة و النص على أبي محمد عليه السلام، الحديث الثامن (مت)
(4) أصول الكافي: كتاب الحجة: باب الإشارة و النص على أبي محمد عليه السلام، الحديث العاشر. (مت)
(5) أصول الكافي: كتاب الحجة: باب ما جاء في الاثني عشر و النص عليهم عليهم السلام، الحديث الأول. (مت)