فهرس الكتاب

الصفحة 148 من 164

وعاش بين أهلها كأنه أمير مطاع، وتساءلت عن ذلك مدة إلى أن أخبرني الأخ الأستاذ أبي بن الزمزمي -و أهل مكة أدرى بشعابها- حكاية عن أبيه أن سبب ذلك راجع إلى مقدم الزاوية مْفَرج، وكان والد أبي البيض أولاه النفوذ التام فيما يتعلق بالزاوية ودائرتها، فكان أبو البيض، وهو شاب مدلّل معتز بجماله ومركزه، يُعاكسه، وينقض ما أبرمه إلى أن ضاق به ذرعا فشكاه لوالده، وهدّد بالانسحاب إن بقي الأمر كذلك، فغضب الشيخ من ولده، وأَمَره بتقبيل يد المقدم واستسماحه، فأذعن على كره وحمل نفسه في ذلك ما لا تطيق، فانفجرت عارمة تدمّر كل شيء بأمر ربها، وقد توقف عن إتمام شرح التائية، وفيما كتب ما يقض المضاجع ويصم الآذان والمسامع.

ومن مواقف أبي البيض المخزية التي تنم عن قسوة في القلب، وغلظ في الطبع، وانعدام الرحمة والشفقة والإنسانية، تشفيه من إخوانه المغاربة حينما دمّر زلزال كبير لم يسبق له مثيل مدينة أكادير، وأودى بحياة أكثر من خمسة عشر ألف نسمة معظمهم من النساء والشيوخ والأطفال، لأنه داهمهم ليلا، فسبهم أبو البيض واعتبر ذلك انتقاما من الله له، وهو إنما ناله ما ناله من ظلم على يد الاستقلاليين، فتأمل هذا الموقف من شيخ الطريقة وخادم الحديث الذي يروي حديث"الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء".

والمقصود أن أبا البيض لم يسلم من سُم يراعه كثير من البلاد والعباد، فتراه إذا حرد وغضب يُجرر ذيل غضبه ونقمته على المعاهد والديار والجماعات، فقد ألف"الإقليد في تنزيل كتاب الله على أهل التقليد"عمم فيه الحكم بالردة على جميع المقلدين، وهم أغلب المسلمين في جميع بقاع الأرض، وضلل بل كفر الأشاعرة حتى إمامهم أبا الحسن الذي تاب إلى الله [1] ، والماتريدية، هؤلاء من حيث العقيدة، وضلل وفسق الحنابلة من جهة النصب والرد على الصوفية، وحتى هؤلاء ليس عنده ميزان ولا ضابط يُرجع إليه في تمييز المحق من المبطل، فهذا الترمذي الحكيم، وأحمد التجاني، وعلي بن ميمون، وغيرهم كثير، دجاجلة كذابون، وابن العربي الحاتمي والششتَري وابن سبعين والحلاّج والتلمساني وابن إسرائيل والردّاد وابن أضحى، وأمثالهم من الملاحدة، في قمة الولاية والعرفان، والشيعة والروافض ودينهم فاق في الفساد والبطلان دين اليهود والنصارى والمجوس، لا يتناولهم بسوء أبدا؛ بل له منهم شيوخ يروي عنهم ويثني عليهم وتراجمهم عنده في"البحر العميق" [2] .

(1) انظر جؤنة العطار 3/ 76.

(2) وانظر جؤنة العطار 2/ 206 - 207.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت