متعجبا من أمره، فلما فرغ الشيخ من قراءته قال له: ما ترى؟ قال: شهدتك بالدكن إذ مت ودفنت. قال: نعم، ولكنني أحببت أن أكون أياما في الدنيا فظهرت هنا؟! قال: فأنا أموت هنا بعد زمان، ثم أظهر بالصين إن شاء الله تعالى، ولا تكون لي حينئذ أنملة الخنصر من يدي؟ فمات ثمة بعد زمان، ولقيه الرجل بعد مدة بالصين فكان كما قال، وهذه القصة مشهورة ببلاده) [1] .
ثم ذكر أبو البيض خرافة أخرى في نفس الكتاب [2] ، أغرب من هذه وأعرق في الكذب والخيال عن المسمى الحليق التركي، ولم أذكرها لطولها، ووجدت على طرة النسخة بخطي: (رحم الله الإمام الشافعي الذي قال عن الصوفية: من خالطهم من الصباح إلى الظهر أنكر عقله) .
ووجدت أيضا بخطي على هامش القصة السابقة في الجؤنة على قول أبي البيض:"وما صدر ذلك من الولي إلا من قبيل إجابة الدعاء"ما نصه: هذه شبهة داحضة، والأحكام والحقائق لا تؤخذ هكذا، وقدرة الله صالحة لكل شيء (وهو على كل شيء قدير) ولكنه أخبرنا أنه وحده الذي يحيي ويميت، وأنه المنفرد بإنفاذ كل ما لا يدخل تحت قدرة العبد واستطاعته التي منحه الله إياها، فمن زعم أنه يستطيع هذا وأحال على القدرة فهو دجال ملبس، وأذكر أنني سألت الشيخ عما يحكى عن الجيلاني أنه أحيى الموتى، وعن عم جده لأمه عبد القادر ابن عجيبة أنه أحيى زوجته، وهذا يحكيه الناس كثيرا، وسمعته أنا من أحفاد الشيخ وأقاربه، فاستنكره أبو البيض واستهزأ بمعتقده وقال في عبد القادر ابن عجيبة قولا شديدا [3] ، وعندي جوابه بخطه.
وقد ذكر في كتابه (البرهان الجلي) نحو ثلاث حكايات في إحياء الأولياء للموتى، فاعجب كيف تفعل الزاوية بعقول أهلها، نسأل الله السلامة والعافية.
قلت: وما الذي جعل العيدروسي وكفاية الله الحبشي ومحمد حليق التركي يحيون الموتى وعبد القادر ابن عجيبة لا يفعل؟ إنه الهوى والعنصرية كما يقال. والدعوى واحدة والكذب متشابه، ثم السؤال الذي يطرح نفسه الآن على حد تعبير الناس اليوم: إن هذا لو كان ممكنا لأعطاه الله تعالى خير خلقه محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وقد مات أبواه واختاره الله نبيا ورسولا
(1) البرهان الجلي 166.
(2) البرهان الجلي 167.
(3) انظر الجواب المفيد 62.