قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - رضي الله عنه: كَلِمَاتٌ لَوْ رَحَّلْتُمْ فِيهِنَّ الْمَطِيَّ لأنْضَيْتُمُوهنَّ قَبْلَ أَنْ تُدْرِكُوا مِثْلَهُنَّ: لَا يَرْجُو عَبْدٌ إِلَّا رَبَّهُ، وَلَا يَخَافَنَّ إِلَّا ذنبه، ولا يستحيي مَنْ لَا يَعْلَمُ أَنْ يتعلَّم، ولا يستحيي إِذَا سُئِلَ عَمَّا لَا يَعْلَمُ أَنْ يَقُولَ: اللهُ أَعْلَمُ. وَاعْلَمُوا أَنَّ مَنْزِلَةَ الصَّبْرِ مِنَ الْإِيمَانِ كَمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ؛ فَإِذَا ذَهَبَ الرَّأْسُ ذَهَبَ الْجَسَدُ، وَإِذَا ذَهَبَ الصَّبْرُ ذَهَبَ الْإِيمَانُ. [1]
وقال علي - رضي الله عنه: قرنت الهيبة بالخيبة والحياء بالحرمان. [2]
وقال الحسن ~: من استتر عن طلب العلم بالحياء لبس للجهل سرباله، فاقطعوا سرابيل الجهل عنكم بدفع الحياء في العلم، فإنه من رق وجهه رق علمه.
وقال الخليل بن أحمد ~: الجهل منزلة بين الحياء والأنفة.
وكان يقال: من رق وجهه عن السؤال رق علمه عند الرجال، ومن ظن أن للعلم غاية فقد بخسه حقه. [3]
فهذه النصوص وغيرها المراد بالحياء فيها هو الخجل، وليس الحياء المعهود شرعًا، كما قدمنا؛ لأن الحياء كله خير، ولا يأتي إلا بخير، كما ثبت ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأيضًا لأن الحياء يمنع من التفريط في حق صاحب الحق، ولا يحول بين صاحبه وطلب العلم الشرعي، كما سنبين إن شاء الله.
قال الحافظ ابن حجر ~: وأما ما يقع سببًا لترك أمرٍ شرعى فهو مذموم وليس هو بحياءٍ شرعى وإنما هو ضعفٌ ومهانةٌ وهو المراد بقول مجاهد لا يتعلم العلم مستحى. [4]
وقال الإمام النووى ~: وأما كون الحياء خيرًا كله ولا يأتى إلا بخير فقد يشكل على بعض الناس من حيث إن صاحب الحياء قد يستحى أن يواجه بالحق مَنْ يجله فيترك أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر وقد يحمله الحياء على الإخلال ببعض الحقوق وغير ذلك فما هو معروف في العادة وجواب هذا ما أجاب به جماعة من الأئمة
(1) - رواه البيهقي في الشعب رقم: 9718، وابن أبي شيبة في المصنف- رقم 34504، وابن عبد البر في جامع بيان العلم - باب حمد السؤال والإلحاح في طلب العلم وذم ما منع منه، حديث: 412، والدينوري في المجالسة- رقم:309
(2) - أمالي القالي - (1/ 176)
(3) - جامع بيان العلم - باب حمد السؤال والإلحاح في طلب العلم وذم ما منع منه، ص:182
(4) - فتح البارى- 1/ 276