فعَنْه - رضي الله عنه - قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً وَكُنْتُ أَسْتَحْيِى أَنْ أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لِمَكَانِ ابْنَتِهِ، فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ» . [1]
6 -حياء الاستحقار واستصغار النفس:
مثل حياء العبد من ربه عز وجل حين يسأله حوائجه احتقارًا لشأن نفسه, واستصغارًا لها, وفي أثر إسرائيلي: (إنَّ موسى عليه السلام قال: يا رب إنه لتعرض لي الحاجة من الدنيا، فأستحيي أن أسألك هي يا رب، فقال الله تعالى: سلني حتى ملح عجينتك، وعلف شاتك) .ولهذا النوع من الحياء سببان:
1.استحقار السائل نفسه واستعظام ذنوبه وخطاياه.
2.استعظام مسؤله-وهو الحقُّ عز وجل-.
7 -حياء المحبة:
وهو حياء المُحِبِّ من محبوبه, حتى إنه إذا خطر على قلبه في غيبته هاج الحياء من قلبه, وأحسَّ به في وجهه لا يدري ما سببه, وكذلك يعرض عند ملاقاته محبوبه, ومناجاته له روعةٌ شديدةٌ, وسبب هذا أنّ للمحبة سلطانًا قاهرًا للقلب. أعظم من سلطان من يقهر البدن, فأين من يقهر قلبك وروحك إلى من يقهر بدنك؟! , ولذلك تعجبت الملوك والجبابرة من قهرهم للخلق، وقهر المحبوب لهم وذلهم له. فإذا فاجأ المحبوب مُحِبَهُ ورآه بغتةً أحسَّ القلب بهجوم سلطانه عليه فاعتراه روعة وخوف.
8 -حَيَاءُ الْعُبُودِيةِ:
وهو حياء ممتزج من محبةٍ وخوفٍ ومشاهدةِ عدم صلاح عبوديته لمعبوده, وأنَّ قدر معبوده أعلى وأجلُّ منها, فعبوديته له توجب استحياءه منه لا محالة. فهو يصل بصاحبه إلى أعلى مراتب الدين, وهي مرتبة الإحسان, التي يحس فيها العبد دائمًا بنظر الله إليه, وأنه يراه في كل حركاته وسكناته, فيتزين لربه بالطاعات.
وهذا الحياء يجعله دائمًا يشعر بأن عبوديته قاصرة حقيرة أمام ربه لأنه يعلم أن قدر ربه أعلى وأجل. قال ذو النون: (الحياء وجود الهيبة في القلب, مع وحشة مما سبق منك إلى ربك) .
(1) - رواه البخاري - كتاب الغسل، باب غسل المذي والوضوء منه - حديث رقم: 265، ورواه مسلم - كتاب الحيض، باب المذي- حديث: 482