1 -أن لفظ المشبه هنا لم يستعمل إلاّ في معناه الحقيقي، إذن ليس ثمت استعارة.
2 -أن السكاكي نفسه صرّح بأن"نطقت"مستعارة للأمر الوهمي، أي المتوهم إثباته للحال، تشبيها بالنطق الحقيقي، فيكون استعارة، والاستعارة في الفعل لا تكون إلاّ تبعية، فيلزمه القول بالتبعية في آخر المطاف.
وقد يستغرب أحدنا حين يرى كيف مثل السكاكي يخلط بين الاستعارة المكنية والاستعارة التبعية، حتى يقترح الادماج والجمع بينهما، مع أنه لا تعارض بينهما ألبة حتى يجمعان، إذ كل منهما نوع من تقسيمات الاستعارة في اعتبار، ولكن الاستغراب يزول ويضمحل عندما ندرك أن وقتئذ لم تكن قواعد البلاغة مقننة كعصرنا هذا.
فالمسألة بسيطة وواضحة، فلا تعارض بين تقسيم الاستعارة إلى المكنية وغيرها، وبين تقسيمها إلى التبعية وغيرها، فكلٌ رأس تقسيم قائم بذاته، فاقتراح إدراج أحدهما تحت الآخر؛ غير مقبول بأي طريقة كانت، إذ قد تكون الاستعارة مكنية وفي نفس الوقت تبعية.
أي أن تقسيم الاستعارة إلى أصلية وتبعية عام في الاستعارة؛ سواء أكانت تصريحية أم مكنية، مثال الاستعارة المكنية التبعية قولك:"أعجبني إراقة الضارب دم الجاني"، فقد شُبه الضرب الشديد بالقتل بجامع الإيذاء في كل، واستعير القتل للضرب الشديد، واشتق منه قاتل بمعنى ضارب ضربا شديدا، ثم حذف ورمز إليه بشيء من لوازمه وهو الإراقة على طريقة الاستعارة المكنية التبعية. [1] وأما قول الطيبي: «وحمل اللفظ على الأبلغ أحرى» [2] السالف، فيجاب بأنه لا تعارض بين المبحثين حتى يطلب كفة الترجيح، من حمل اللفظ على الأبلغ وغيره، بل هما مبحثان متلازمان لا متعارضان.
(1) - ينظر؛ علي الجارم ومصطفى أمين، البلاغة الواضحة، دار الفكر، بيروت، لبنان، ط/1، 2014 م، ص: 70.
(2) - كتاب"التبيان في البيان"للإمام الطيبي، تحقيقا ودراسة، عبد الستّار حسين، المرجع السابق، ص: 130.