بينما حاول البعض دفع الغموض والإبهام؛ عن كلمة"التتبع"بتأويلها بـ-"المعرفة"، كسعد الدّين التّفتازاني [1] إذ قال: «وأجيب - أي هذا الاعتراض - بأنه أراد بالتتبع"المعرفة"كما صرح به في كتابه» ، [2] أي أن مراده من"التتبع"هو المعرفة والعلم، مجازا مرسلا من إطلاق المسبب على السبب، فيكون تقدير التعريف عندئذ هو: معرفة خواص تراكيب الكلام في الإفادة، وما يتصل بها من الاستحسان وغيره، ليحترز بالوقوف عليها عن الخطأ، في تطبيق الكلام على ما يقتضي الحال. ولكن هل هذا التأويل كاف لدفع هذا الاعتراض؟، لا، لذا يرى الصعيدي مع هذا التأويل أن تعريف السكاكي ركيك العبارة [3] . بل ذهب بهاء الدين السبكي - مؤيدا الاعتراض - إلى أن قول القزويني"التتبع ليس بعلم"صحيح، وأنّ هذا التأويل لكلمة"التتبع"ليس بجيد، لأنه استعمال مجازي، لم تقم عليه قرينة واضحة، [4] إذ عادة الاستعمالات المجازية، قيام القرينة الواضحة.
وبهذا لم يتمكن السبكي من دفع الغموض عن كلمة"التتبع"، رغم التأويل، وهكذا يبقى تعريف السكاكي موصوفا بالغموض في كلمة"التتبع"، و النزعة المنطقية السافرة بالقيود الثقيلة، وعدم اهتداء أحد من البلاغيين إلى معرفة مراده من قوله"وغيره".
واعتمادا على قول علماء البلاغة كبهاء الدّين السبكي والصعيدي وعبد العزيز عتيق، يمكن القول إن الخطيب القزويني مصيب في اعتراضه هذا على السكاكي، حيث يجب في الحدود الوضوح وعدم الاحتياج إلى التأويل، لأن التّعريف هو التّصور الجامع المانع عن المعرّف، فمتى احتاج ذلك إلى التأويل، فما يأتي بعده يكون أحوج، كما في تعريف السكاكي هذا.
(1) - هو مسعود بن عمر بن عبد الله الشيخ سعد الدين التفتازاني، ولد سنة: 712 هـ، من مؤلفاته الشهيرة: المطول، المقاصد في الكلام، شرح العقائد، توفي بسمرقند، سنة: 791 هـ، ينظر، بغية الوعاة، السيوطي، المرجع السابق، 2/ 285.
(2) - سعد الدين التفتازاني، المطول، مطبعة خادم العلم السّني، ط. بدون، 1310 هـ، ص:35.
(3) - ينظر، بغية الإيضاح، الصعيدي، المرجع السابق، 1/ 28.
(4) - عروس الأفراح شرح تلخيص المفتاح، بهاء الدين السبكي، المرجع السابق، 1/ 216.