أخرى، يكون حصولها من إحداهما قصدا، ومن الآخر ضمنا، ولا يكون ذلك تكرارا، [1] أي أن إخراج قول الدهري بقوله:"ما عندكم"مقصود بعينه، وإخراجه بقوله"لضرب من التأويل"، غير مقصود؛ وإنما خرج به ضمنا، إذن ليس في التعريف تكرار حتى يذم عليه، حسب رأيه هو.
والحق خلاف ذلك، ففي تعريفه تكرار مذموم، والصبغة المنطقية بادية فيه، مما هدى به إلى التكلّف والصنعة بهذه القيود المنطقية الكثيرة، اللاتي جعلن تعريفه هذا ركيك النسج، وقد اعترف التفتازاني نفسه بذلك، رغم دفاعه عن السكاكي في هذه المسألة، إذ قال: «كان الأنسب أن يقول: ليخرج نحو"قول الجاهل"، مكان"لئلا يمتنع طرده» [2] ، وذلك تفاديا عن وجود قيدين لشيء واحد في هذا النص، حيث اكتفى غيره بقيد واحد، بقوله"لضرب من التأويل"، كعبد القاهر الجرجاني حيث قال إنه: «كل جملة أخرجت الحكم المفاد بها عن موضعه، في العقل لضرب من التأويل» [3] وغيره."
المأخذ الثاني:
يرى القزويني وجود تناقض في كلام السكاكي، حيث عدل عن قول بـ-"ما عند العقل"، الذي أطلقه عبد القاهر الجرجاني في تعريفه، ثم أتى به السكاكي على غفلة منه، بقوله"خلاف ما في نفس الأمر"، على أن قول الجرجاني"ما عند العقل"، شرّق البلاغيون وغرّبوا في تفسيره، [4] فاختار القزويني تفسيره ب-"ما يقتضيه ويرتضيه"، وهو بعينه معنى"ما في نفس الأمر"، لأن العقل لا يرتضي ما هو خلاف نفس الأمر [5] ، فلما فسره بهذا التفسير أعلن الاعتراض عليه، بقول إن"المراد بخلاف ما عند العقل، خلاف ما في نفس الأمر". وعليه، فتفسير القزويني غير دقيق لأن الأوضح أن المراد بما عند العقل: ما لا يمتنع عنده، وبه صح تقدير كلام السكاكي، و «إن كان مخالفا في نفس الأمر للعقل ممتنعا
(1) - ينظر، المطول، التفتازاني، المرجع السابق، ص: 60.
(2) - المرجع نفسه والصفحة.
(3) - أسرار البلاغة، الجرجاني، المرجع السابق، ص:334.
(4) - فسّره التفتازاني ب -"ما حصل عند العقل وثبت"، المطول، التفتازاني، المرجع السابق، ص:62، وفسّره السّيد الشريف الجرجاني: ب -"مالا يمتنع عند العقل"، ينظر، السّيد الشريف الجرجاني، الحاشية على المطول، تحقيق: د. رشيد أعرضي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط/1، 2007 م، ص:80.
(5) - ينظر، الحاشية على المطول، السّيد الشريف الجرجاني، المرجع السابق، ص:81.