العرض والدّراسة:
أنكر السكاكي المجاز العقلي قائلا: «أجعل المجاز كله لغويا، وينقسم عندي هكذا إلى: مفيد وغير مفيد، ... » [1] ، وألحقه بالاستعارة المكنية، وقال في مثل:"أنبت الربيع البقل"، أنه شبه الربيع بالفاعل الحقيقي الذّي هو الله، ثم حذف المشبه به ورمز إليه بشيء من لوازمه، وهو الإنبات على سبيل الاستعارة المكنية، بهذا أخرج المجاز العقلي من علم المعاني، إلى قائمة علم البيان، لدافع الرغبة في تقليل الأقسام. [2]
واعترض عليه القزويني بأنه لو كان ذلك كذلك، لما اتفق علماء البلاغة، ولما استسلموا أن المراد بعيشة، في قوله: {فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ} هو صاحبها، وبالماء فاعل الدفق، بل لقالوا إنّ المراد بعيشة هو العيشة نفسها، وبالماء نفسه، فلما لم يورد هذا؛ بل استسلم لعكسه، دلّ على بطلان هذا الإنكار، وغيرها من الآيات التي اعترض بها القزويني على السكاكي، التي لا مسوّغ لها إلا القول بالمجاز العقلي فيها في ظن القزويني.
ويرى بسيوني عبد الفتاح هذا الرّد والدفع من القزويني، دفعا شديدا وردّا قويا. [3] إلا أن السبكي قد خرّج هذه الآيات، على مذهب السكاكي واحدة تلو الأخرى، حتى سلمت من اعتراضات القزويني. [4] من هنا لا يمكن تصديق قول بسيوني إن هذا الدفع من القزويني دفع شديد، لأنه تطرق إليه الاحتمال أولا، وثانيا أن الاعتراض ينضوي على مسألتين: مسألة إنكار المجاز العقلي، ومسألة إلحاق المجاز العقلي بالاستعارة المكنية، فدفع القزويني وغيره؛ موجه إلى المسألة الثانية: أي إلحاقه بالاستعارة، دون تطرق إلى مسألة الإنكار. ولكي لا نقع في نفس الإشكال، سنتناول المسألتين كلا على حدة، علّنا نتوصل إلى نتيجة ملموسة بعد ذلك.
(1) ــ مفتاح العلوم، السكاكي، المرجع السابق، ص: 401.
(2) - ينظر، علم المعاني، د. بسيوني عبد الفتاح، المرجع السابق، ص:71.
(3) - ينظر، علم المعاني، د. بسيوني عبد الفتاح، المرجع السابق، ص:72.
(4) ــ ينظر، مثلا، عروس الأفراح، السبكي، المرجع السابق، 1/ 263.