المجاز لا مدخل له في الأحكام العقلية، ولا وجه لتسمية المجاز بكونه عقليا، لأن ما هذا حاله، إنما يتعلق بالأوضاع اللغوية دون الأحكام العقلية». [1]
والتساؤل الأخير: هو أليس إنكار هذا المجاز - الذي ذهب إليه السكاكي - تضييقا لدائرة البلاغة؟، وهل يتعلق بإنكاره فوائد أو اعتماده يحول ويعوق دون الاستفادة منه؟.
وربما يظن أن إنكار هذا المجاز يضيّق دائرة البلاغة، ولكن ثمت أمور تقوي القول بإنكاره، ويجعل له رجاحته في الميزان، وله نسبة كبيرة من المصداقية، وهي الآتية:
أولا: لما يكمن وراء هذا المجاز من عقيدة تعوق دون الاستفادة منه، وتخرجنا من المباحث البلاغية الفنية إلى المباحث العقدية، لذا تكرر عند مناقشة هذا المجاز، قولهم"على اعتقاد الدهري"و"على اعتقاد المعتزلي"، و"على اعتقاد الأشعري"وهلم جرا، والبلاغي يقف إزاء أمثلة هذا المجاز في التعبيرات الأدبية متحيّرا، حيث لا يمكن تحليله إلا بعد معرفة اعتقاد القائل، وقد سبقت الإشارة من السكاكي والطيبي إلى ذلك، أو يكون المثال مجازا عقليا عند بعض، وحقيقة عند البعض الآخر، وهذا ما أشار إليه أمين الخولي [2] : «فلا يصح أن يقال مثلا في"أنبت المطر الزرع"أن ذلك عند الدينيين لأن المنبت هو الله في الحقيقة، وإنما أسند الإنبات إلى المطر، لأن ذلك ظاهر مرأى العين، وليس مجازا عند الطبيعيين» . [3] إذن خرجنا من البلاغة إلى العقيدة، وبهذا خرج البلاغيون بهذا المبحث «من وصفه وسيلة فنية من وسائل التعبير إلى بحث في الدين والعقيدة، فنراهم يجعلون للمؤمن كلاما، وللمعتزلي
(1) ــ الطراز، العلوي، المرجع السابق، 1/ 78.
(2) ــ ولد أمين الخولي في قرية شوشاي بالمنوفية، سنة 1895 م، وتعلم بالأزهر، وعمل في السفارة المصرية في روما ثم في برلين، من مؤلفاته"البلاغة العربية"و"فن القول"و"الأدب المصري"، توفي سنة 1966 م، الأعلام، الزركلي، المرجع السابق، 2/ 16.
(3) - المدخل إلى دراسة البلاغة العربية، د. أحمد خليل، المرجع السابق، ص: 142.