كلاما، وللكافر كلاما، وكأنّهم نفذوا إلى العقول، ووصلوا إلى مكامن القلب والشعور، الأمر الذي جعل مذهبهم هذا؛ عرضة للنقد، كما جعل كثيرا من المحدثين يضربون عنه الذكر صفحا». [1]
ثانيا: أننا إذا سرنا مع هذه الفلسفة المؤسسة على"أن لا فاعل إلا الله"، سيكون نصف الجمل العربية مجازا عقليا، لأنه لابد لكل فعل من إرجاعه إلى البارئ عز وجل، من قولك"لما شبعت، نمت طويلا، ثم استيقظت، وراجعت الدروس إلى أن حان وقت الصلاة، فتوضأت ثم صليت"، فإن كل فعل أسند إلى غير فاعله الحقيقي الذي هو الله على سبيل المجاز العقلي، وإنما الاستعمال الحقيقي:"لما شبعني الله وأنامني طويلا، ثم أيقظني وجعلني أراجع دروسي إلى أن حان وقت الصلاة، فجعلني أتوضأ وأصلي"، على غرار قولك"جاء بي الشوق إليك"، و"أنبت الربيع البقل"، فالشوق لا يأتي بالإنسان إنما يأتي به الله تعالى، والربيع لا ينبت وإنما الإنبات من البارئ عز وجل.
وهكذا إذا خالفنا الإمام في منطلقه - من إسناد كل الأفعال إلى الله تعالى - سوف نخالفه في إثبات المجاز العقلي، إذ نرى أن عدم إسناد هذه الأمور من الإنبات والمجيء وغيرها إلى الله لا يضر، وإسناده إلى غيره ليس فيه شرك ولا كفر.
ثالثا: أن أغلب هذه المجازات التي تسمى عقليا، مجازات مبتذلة مستهلكة مرمية في الطريق، يلتقطها الخواص والعوام والجهلاء، فقولك"بنى الوالي القصر"، و"عبّد الرئيس الطرق"، وغيرها الكثير، لم تعد ملكا للبلغاء والفصحاء من الكتّاب والشعراء، بل صارت تعبيرات عادية مبتذلة، مما سلب من مجازيته، «وذلك أن المجاز ربما يغدو حقيقة، لكثرة الاستخدام والشيوع، وإذا تحول المجاز إلى حقيقة فقد انطفأت جذوة اشتعال الفكر والتدبر والتأمل» [2] ، ممكن في قديم الزمان كانت مجازات، ولكن الآن، اشتهرت استخداما حتى صارت حقائق لا تثير انتباه أحد ولا شعوره، إذ امتزج باللغة اليومية، ففقدت الصبغة المجازية.
(1) - التوجيه البلاغي للقراءات القرآنية، د. أحمد سعد محمد، مكتبة الآداب، القاهرة، ط/2، ت. بدون، ص: 416.
(2) ــ د. موسى سامح ربابعة، الأسلوبية مفاهيمها وتجلياتها، دار الكندي، ط/1، 2003 م، ص:71.