إِنَّ الَّذِينَ تَرَوْنَهُمْ إِخْوَانَكُمْ ... يَشْفِي غَلِيلَ صُدُورُهُمْ أَنْ تُصْرَعُوا
وقديما حمل التفتازاني كلامه على هذا البيت، فقال في إجابة الاعتراض: «إن العرف والذوق شاهدا صدق، على أنك إذا قلت عند ذكر جماعة، يعتقدهم المخاطبون إخوانا خُلّصا،"إن الذّين تظنون إخوانكم"، كان فيه الإيماء إلى أن الخبر المبني عليه، أمر ينافي الأخوة، ويباين المحبة» ، [1] وبهذا أَسقط الاعتراض في هذا المأخذ، ولكن ذلك لا يقوى لردّ الاعتراض ودفعه، إذ نَصَ القزويني على البيت الثاني، وهذا ليس بالبيت الثاني.
بل الصحيح ما فهمه بسيوني، [2] ومحمد محمد أبو موسى [3] من قوله"البيت الثاني"قول الشاعر:
إِنَّ الَّتِي ضَرَبَتْ بَيْتًا مُهَاجِرَةً ... بكُوفة الجَنْدِ غَالتْ وُدُهَا غُولُ
والسؤال هنا، هو؛ هل في هذا البيت إيماء إلى وجه بناء الخبر؟، أم فيه الإيماء والإشارة إلى بناء نقيض الخبر؟. طبعا يرى السّكاكي أن البيت مثال للإيماء إلى وجه بناء الخبر، بينما القزويني يذهب إلى أنه مثال لبناء نقيض الخبر.
ويرى بسيوني أنهما اختلافا في تخريج هذا البيت، لاختلافهما في النظر إلى هذا البيت، حيث نظر السكاكي إلى حال الشاعر، الذّي غادرت حبيبته وأقامت بعيدا عنه، فالمفروض أن يكون ذلك سببا لاشتعال نار الحب والمودة كعادة الشعراء، ولكن الشاعر خاننا وخالف الشّعراء، وبنى الخبر مغايرا بقوله:"غالت وُدّها غول"، فالسكاكي نظر إلى حال الشاعر هذا، فقال: فيه إيماء إلى وجه بناء الخبر، بينما القزويني نظر إلى عادة الشّعراء، عندما ترتحل المحبوبة وتقيم بعيدا عنهم، تشتعل نار الحب، فيحنّون إليها، لبعدها ويذكرونها ليلا ونهارا، ولكن عبدة استسلم للأمر، حتى صرح بزوال الحب
(1) ــ المطول، التفتازاني، المرجع السابق، ص:78.
(2) - ينظر؛ علم المعاني، د. بسيوني، المرجع السابق، ص:96.
(3) ــ ينظر؛ خصائص التراكيب، د. محمد محمد أبو موسى، المرجع السابق، ص:150.