العرض والدّراسة:
اختلف السكاكي والقزويني في الضمير الذّي يلي حرف النفي، من قولك:"ما أنا ضربت إلا زيدا"، فيرى الأول أنه يقتضي نفي الفعل عن الفاعل، والثّاني يرى أنه لا يقتضي نفي الفعل عن فاعله أبدا، ففي قولك:"ما أنا ضربت إلا زيدا"، على قول السّكاكي تناقض، حيث نفى المتكلم عن نفسه فعل الضرب، ثم أثبته له في نفس الوقت باستخدام"إلا"، وعلى قول القزويني؛ لا تناقض فيه.
والصحيح أن ليس في الشاهد تناقض كما ذهب إليه القزويني، وعليه يقول الصعيدي: «والحق أن لا يلزم - أي الإيلاء، النفي عن المتكلم ــــــ، لأن إيلاء الضمير حرف النفي، إنما يقتضي نفي ماعدا المستثنى، وما ذكره عبد القاهر الجرجاني والسكاكي، إنما هو غفلة منهما» ، [1] أي أنه يلزم الإيلاء نفي كل شيء إلا المستثنى، والمستثنى في المثال هو الضرب، إذن فالضرب غير منفي لأنه المستثنى.
ويرى التفتازاني أن قول السكاكي عنده أجدر بأن يعترض عليه، قائلا: إن النفي لم يتوجه إلى الفعل أصلا، بل إلى أن يكون فاعل الفعل المذكور هو المتكلم، والفعل المذكور هو الضرب الذّي استثني منه زيدا، لأن الاستثناء إنما هو من الإثبات دون النفي، فلا يكون انتقاض النفي في شيء، [2] أي أن قول القائلين بالتناقض مردود، لأن النفي في شيء والاستثناء في شيء آخر.
وعليه؛ فالقزويني مصيب في اعتراضه على السّكاكي في هذه المسألة، كما أشار إليه البلاغيون كالتفتازاني ومحمد الجرجاني [3] و الصعيدي.
3 -نص السّكاكي
قال السّكاكي بعد ذكر شرطي التقديم للتخصيص وبعد ما سرد في هذا الباب ما يحتمل التقديم على الفعل: «فلا يكون لقولنا:"زيد عرف"، غير احتمال الابتداء؛ اللهم إلا بذلك الوجه البعيد، فلا يرتكب عند المعرف لكونه على شرط المبتدأ، وإنما يرتكب عند المنكر لفوات الشرط إذ لم يمنع عن التخصيص مانع، كما إذا قلت:"رجل جاء"لصحة أن يراد الجائي رجل لا امرأة أيها السامع، دون
(1) ــ بغية الإيضاح، الصعيدي، المرجع السابق، 1/ 93.
(2) - ينظر، المطول، التفتازاني، المرجع السابق، ص:113.
(3) - ينظر، الإشارات والتنبيهات، محمد الجرجاني، المرجع السابق، ص:41.