فهرس الكتاب

الصفحة 101 من 177

9 -فأطْعَمْتُه مِن كَبْدِها و سَنامِها * شِواءً و خيرُ الخير ما كان عاجِلُه.

وهذا النّقل إنّما يُراد به أن العرب جرتْ على هذا السَّنَن في الكلام بخصوص هاتين اللّفظتين.

ولنعرِّج الآن إلى بعض ما ثبث من الأحاديث الصّحيحة بخصوص هاتين اللّفظتين، علمًا أنّه قد يكون للّفظ الواحد روايتان إحداهما أفصح من الأخرى؛ فلا مناص حينئذ من حَمل الفصيحة على الأفصح؛ لما عُلم من أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كان أفصح مَن نطق بالضاد. ومِن الأولى في ذلك ورود روايتين إحداهما من فصيح الكلام، والأخرى خارجة عن الفصيح.

وإنّ تَتَبُّعَ الأحاديث الصّحيحة الجارية على هذا السَنَن في توظيف هاتين اللّفظتين: (خير) و (شرّ) كثيرةٌ جدًّا. لكنّ الّذي يَعنينا هو تلك الأحاديث الصّحيحة [1] الّتي وردت فيها هاتان اللّفظتان على غير اللّغة العالية (الأفصح) ، على اعتبار أنّها لا تخرج عن كونها فصيحة. وإلاّ فإنّني أعتبرُها من التّغيير [2] الطّاريء عليها؛ وكان ذلك نتيجة تجويز العلماء لرواية الحديث بالمعنى. وليس يخفى على الخبير برجال الحديث أنّه كان فيهم عددٌ كبيرٌ أصولهم غير عربية (أعاجم) . وهم من رجال الحديث وعلمائه المتخصّصين فيه؛ فليس يَبْعُد - إذا كان الأمر كما وصفت - أن يتسرّب إليهم - رحمهم اللّه تعالى - شيئٌ من الكَلِم غير الفصيح حال روايتهم للحديث بالمعنى [3] .

وبعد مطالعة شيء من تلك الأحاديث تبيّن لي أنّه ما من حديث وردت فيه لفظةٌ، ليست من فصيح الكَلِم؛ إلاّ ورُويت على اللّفظ الفصيح في حديث آخر. يَدُلُّك على صواب هذه الدّعوى الأمثلة التّالية:

1.حديث: (وَلَدُ الزِّنَا أَشَرُّ الثَّلاَثَةِ) [4] . رواه أحمد في المسند (2/ 311 رقم 8084) و(6/ 109 رقم

24828)بلفظ (أشرّ) .

لكن، رواه في المستدرك (2/ 234 رقم 2855) ، وفي الفردوس بمأثور الخطاب (3/ 390 رقم 7130) بلفظ (شرّ) .

(1) - وأمّا الأحاديث الضّعيفة؛ فإنّي لم أرفع لها رأسًا؛ لما عُلم من عدم جواز اعتبارها في الأحكام الشرعيّة والعقديّة، وكذا مباحث اللّغة العربيّة.

(2) - نعم، هو لا يخلّ بالمعنى.

(3) - وهذا الموضوع: (مدى الاحتجاج بالأحاديث النبويّة في اعتبار مفردات اللّغة وتأصيل القواعد النّحويّة) بحاجة إلى بحث ودراسة متأنِّية. فعسى أن أُوَفَّق - أو غيري من الأفاضل - لذلك في قادم الأيّام إن شاء اللّه تعالى.

(4) - قال في اللّسان (4/ 400 ع 2) :"قيل: هذا جاء في رجل بعينه كان مَوْسُومًا بالشَرّ. وقيل: هو عامٌّ؛ وإنّما صارَ ولَدُ الزِّنا شَرٍّ مِن والدَيْهِ لأنّه شَرُّهُم أصلًا، ونسبًا، وولادةً؛ لأنّه خُلِقَ مِن ماءِ الزَّانِي والزَّانِية، وهو ماءٌ خَبِيثٌ. وقيل: لأنّ الحَدَّ يُقامُ عليها فيكونُ تَمْحِيصًا لهما، وهذا لا يُدْرَى ما يُفعَلُ به في ذُنُوبِه".

وهذا الحديثُ من العامِّ المخصوص، وقد أورده العلاّمة الألبانيّ في سلسلته الذّهبيّة أعني: الصّحيحة (2/ 276 - 280 رقم 672) .وممّا قال في توجِيهِهِ:"فالأولى تفسيرُه بقولِ سفيان: إذا عملَ بعملِ أبويه ... وهذا التّفسير وإن لم يَثبُتْ رفعُه؛ فالأخذُ به لا مَناصَ منه؛ كي لا يتعارضَ الحديثُ مع النّصوصِ القاطعةِ في الكتابِ والسُّنَّةِ؛ أنّ الإنسانَ لا يُؤاخَذُ بِجُرْمِ غيرِه. وراجع لهذا المعنى الحديث (1287) من الكتاب اللآخر [الضّعيفة] ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت