فهرس الكتاب

الصفحة 123 من 177

قال ابن قتيبة [1] : (وممّا يضعُه النّاسُ في غير موضعِه:(الفقير والمسكين) ، لا يكاد النّاسُ يَفرُقُون بينهما، وقد فَرَقَ اللّهُ تعالى بينهما في آية الصّدقات [ولم يجمعهما باسمٍ واحدٍ] فقال عزّ اسمُه: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ- 60 من سورة التّوبة) وجعل لكلّ صنفٍ [منهما] سَهْمًا ... ).

وللعلماء في هذه المسألة ثلاثةُ مذاهب يأتي استعراضُها؛ وسببُ اختلافهم يعود إلى ما ذكره أبو هلال العسكريّ في كتابه الفروق [2] ، قال - رحمه اللّه: (الفرقُ بين الفقير والمسكين: لاخلافَ في اشتراكهما في وصفٍ عدميٍّ، هو عدمُ وفاءِ الكسبِ بالكُلِّيَّة، والمالِ لمؤنته، ومؤونةِ عِياله. وإنّما الخلافُ في أيِّهما أسوأُ حالًا. ومنشأُ هذا الخِلاف اختلافُ أهلِ اللُّغة في ذلك) .

ولعلّ في هذا التّحرير ما يكشف عن الفارق بينهما من عدمه، وعن أيِّهما أصلح حالًا. فإلى بيان ذلك:

تعريف الفقير: الفَقْرُ، بالفتح و يُضَمُّ لغة [3] ، ضِدُّ الغِنَى، وأَصلُ الفَقْرِ: الحاجةُ، والفقيرُ: المحتاجُ. قال ابنُ عرفة: (الفَقِيرُ عند العرب المحتاجُ؛ قال اللهُ تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [4] ؛ أَي المحتاجون إِليه) .

أمّا عن حقيقته؛ فقد قيل فيه أقوال يُمكِنُ إجمالُها في قولين:

1.الفَقيرُ: هو مَنْ يَجِدُ القُوتَ، وله بُلْغَةٌ من العيشِ تُقيمُه وعِيالَه. كالسُّؤَّالِ، وأَهلِ الحِرْفةِ الضّعيفة الذين لَا

يَقْدِرُون عَلَى كَسْبِ مَا يَقَعْ مَوْقِعًا مِنْ كِفَايَتِهِم.

2.الفقير: هو القاعدُ في بيتِهِ لايسأَلُ، ولا يُشْعَرُ به فيُعْطَى؛ فلا شيءَ له البتَّةَ؛ لِزَمانة به، مع حاجةٍ شديدةٍ؛ تَمنَعُهُ

الزَّمانةُ من التَّقَلُّبِ في الكسب على نفسِهِ وأهلِهِ أمثال: الزَّمْنَى وَالْمَكَافِيفِ (الْعُمْيَانُ) الضِّعاف.

تعريف المسكين: المِسْكينُ [5] ، بكسر الميم، وأَصلُه في اللّغة: الخاضعُ الذّليلُ الْمَقْهُورُ، وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا، والمسكنَةُ هي الذُّلُّ والخضوعُ وتَواضُعُ الحالِ؛ قال اللّهُ تعالى: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ وَالمَسْكَنَةُ} [6] أي الذُّلُّ والهوانُ؛ فالمسكينُ بهذا الاعتبارِ قد يكونُ فقيرًا، وغنيًا. قيل: سُمِّيَ بذلك لِسُكُونِهِ إلَى النَّاسِ، أو لأنّه مِن قِلَّةِ المالِ سَكَنتْ حركاتُه؛ ولذا قال تعالى: {أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} أي لاصِقٌ بالتّراب، وقد تَقعُ المَسْكَنة على الضَّعف؛ ومنه حديثُ قَيْلَة [7] قال لها صلّى اللّه عليه وسلّم:

(1) - أدب الكاتب (ص 29 كتاب المعرفة) .

(2) - الفروق اللّغوية (1/ 409 رقم 1645 حرف الفاء) .

(3) - قال اللَّيْثُ: والفُقْرُ بالضَّمّ: لُغَةٌ رَدِيئَة. وقال الزّبيديّ: وقد قالُوهُ بضمَّتَيْن أَيضًا، وبفَتْحَتَيْنِ، نَقَلهما شَيخُنا.

(4) - فاطر/15.

(5) - مِفْعِيلٌ من السُّكون مثل المِنْطيق مِن النُّطْق، وأمّا المَسْكِينُ بِفَتْحِ الْمِيمِ، فلُغَةِ نادرة، لبَنِي أَسَدٍ؛ لأَنّه ليس في الكلام مَفْعيل.

(6) - البقرة/61.

(7) - اللّسان (13/ 217) ، والفائق (1/ 338 الفاء مع الراء) ، والنّهاية (2/ 971 السّين مع الكاف) ، وغريب الحديث لأبي عبيد (3/ 52) .وخرّجه في: المعجم الكبير (18/ 184 - 187 رقم 20525) ، والسّنن الكبرى (6/ 150) ، وسنن أبي داود (8/ 308 - 309 رقم 2667 - 2668) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت