(صَدَقَتِ المِسْكِينةُ) ؛ أَرادَ الضَّعفَ، ولم يُرِدِ الفقرَ. ويمكنُ أَن يكونَ مِن هذا قولُه سبحانه حكايةً عن الخِضْرِ عليه السّلام: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي البَحْرِِ} [1] ، فسمّاهُم مساكينَ لِخُضوعِهِم وذُلِّهِم مِن جَوْرِ الملِك الّذي يأْخذُ كلَّ سفينةٍ وجدَها في البحر غَصْبًا؛ قال سيبويه: المِسْكينُ من الأَلفاظ المُتَرَحَّمِ بها، تَقولُ مررتُ به المِسْكينَ.
وعليه؛ فإِذا كانَ هذا المسكينُ إِنّما مَسْكَنَتُه من جهة الفَقْرِ؛ حَلَّتْ له الصّدقة، وإِذا كان مسكينًا قد أَذلَّهُ سوى الفَقْرِ؛ فالصّدقةُ لا تَحِلُّ له، إِذْ كان شائعًا في اللّغة أَن يُقالَ: ضُرِبَ فلانٌ المسكينُ، وظُلِمَ المسكينُ، وهو من أَهل الثَّرْوَةِ واليَسار، وإِنّما لَحِقَهُ اسمُ المسكينِ مِن جهةِ الذِّلَّةِ، فمَن لم تَكُنْ مَسكنتُه من جهةِ الفقر، أعني: عُدم المال؛ فالصّدقةُ عليه حرامٌ.
أمّا عن حقيقته فقد قيل فيه أقوال يُمكِنُ إجمالُها في قولين:
أ الصّحيحُ المحتاجُ، مِمَّن له البُلْغَةُ من العيش؛ لا تَكفيهِ وعِيالَهُ. أمثال: السُّؤّال الطَوَّافين على الأَبواب، وكلُّ مَن
له حِرفةٌ لا تَفي بمُؤنَتِهِ.
ب الذَّليلُ، الضّعيفُ، الّذي أَسْكَنَهُ الفقرُ وأذلَّهُ؛ فقَلَّلَ حَركتَه؛ ولا شيءَ له، ولا يقدرُ على السّؤال.
الفرق بين المِسْكين والفقير: وممّا يدلُّ على افتراقِهما في الجملة ما رُويَ عنه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال:"اللّهمَّ أحيِني مِسكينًا، وأمِتني مسكينًا، واحشُرني في زمرة المساكين" [2] مع ما عُلِمَ مِن تَعَوُّذِهِ مِن الفَقْرِ.
1.من قال إنّ المسكينَ أحسنُ حالًا مِن الفقير، وأنّ الفقيرَ أسوأُ حالًا مِن المسكين: رُوِيَ ذلك عن الشَّافِعِيُّ،
والأَصمعيّ، وابن السِّكِّيت، وعليُّ بن حمزة الأَصبهانيّ اللُّغويّ، وأَحمدُ بن عُبَيْد. قال في الفتح (4/ 107) :"وهذا قول الشّافعيّ وجمهور أهل الحديث والفقه". وقد استدلُّوا لمذهبهم بما يلي:
أ قوله تعالى: {وَأَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ في البَحْرِ} [3] ، فأَخبر أَنّهم مساكين، وأثبتَ لهم ملكيّة
السّفينةً، حين نسبَها إليهم، وهي تُساوي مقدارا من المال. وأنّهم يعملون عليها في البحر؛ وكلام اللّهِ عزَّوجلَّ أولى ما يُحتجُّ به.
ب وقال تعالى فِي حَقِّ الْفُقَرَاءِ: لِلْفُقَرَِاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمْ
الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنْ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ... [4] . فهذه الحال الّتي أَخبر بها عن الفقراء هي دون الحال الّتي أَخبر بها عن المساكين.
ت رُوِيَ أنّ عليّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه أنّه قرأ الآية:"أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَّاكِينَ" [5] بتشديد السّين،
(1) - الكهف/79.
(2) - اللّسان (13/ 216) ، وانظره في: سنن التّرمذي (8/ 354 رقم 2275) ، وابن ماجه (12/ 154 رقم 4116) ، والمستدرك على الصّحيحين (4/ 466 رقم 7992) ، والسّنن الكبرى (7/ 12) ، وشعب الإيمان (21/ 437 رقم 10116) .
(3) - الكهف/79.
(4) - البقرة/273.
(5) - الكهف/79.وانظر: البحر المحيط (7/ 482) ، وروح المعاني (11/ 361) ، وغيرهما من كتب التّفسير.