فهرس الكتاب

الصفحة 125 من 177

أي لِمَلاَّحِينَ. قال ابن خالويه: سمعت ابن مجاهد يقول ذلك و يزعمُ أنّ قطربًا قرأ بذلك؛ فأفادتْ أنّهم أصحابُ مَهْنَة.

ث وبُديءَ في آية الصّدقات بِالْفُقَرَاءِ، وهي قولُه عزّ اسمُه: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَ المَسَاكِينِ ... } [1] ؛ وذلك

للاهتمام بشأنهم؛ لشدّة حاجتهم وفاقَتِهم؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ أَهَمُّ، وَإِنَّمَا يُبْدَأُ بِالْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ. قال عليُّ بن حمزة [2] : (وأَنتَ إذا تأَمّلتَ قولَه تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالمََسَاكِينِ} ، وجدتَه سبحانه قد رتَّبَهُم فجعل الثاني أَصلح حالًا من الأَوّل، والثالث أَصلح حالًا من الثاني، وكذلك الرّابع والخامس والسّادس والسّابع والثامن) .

ج وقال أيضًا [3] : (وممّا يدُلُّكَ على أَنّ المسكينَ أَصلحُ حالًا من الفقير أَنّ العربَ قد تسمَّتْ به، ولم تَتَسَمَّ بفقير؛

لِتناهي الفَقر في سُوء الحال، أَلا ترى أَنّهم قالوا: تَمَسْكَن الرّجلُ فَبَنَوْا منه فِعْلًا على معنى التّشبيه بالمسكين في زِيِّه، ولم يفعلوا ذلك في الفقير؛ إذ كانت حالُه لا يَتَزَيّا بها أَحدٌ؟. قال: ولهذا رَغِبَ الأَعرابيُّ الذي سأَله يونس عن اسم: (الفقير) . لتَناهِيهِ في سوء الحال، فآثرَ التَّسمية بالمَسْكَنة.

ح وفي الحديث [4] :"لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِهَذَا الطَّوَّافِ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ فَتَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، وَالتَّمْرَةُ"

وَالتَّمْرَتَانِ. قَالُوا: فَمَا الْمِسْكِينُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟. قَالَ: الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ، وَلَا يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ، وَلَا يَسْأَلُ النَّاسَ شَيْئًا"."

وفي رواية [5] :"إِنَّمَا الْمِسْكِينُ الْمُتَعَفِّفُ اِقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: {لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} ."

فالمسكينُ هو السّائل الطَّوَّافُ؛ لأنّه بمسألته تأتيهِ الكفاية، وتأتيه الزيادة عليها؛ فيزولُ عنه اسم المسكنة. والفقير لا يسأَلُ، ولا يُشْعَرُ به فيُعْطَى؛ لِلُزومه بيته، أَو لامتناع سؤاله، فهو يَتَقَنَّع بأَيْسَرِ شيءِ، كالّذي يتقوَّتُ في يومه بالتَّمرة والتَّمرتين، ونحو ذلك، ولا يسأَل محافظةً على ماء وجهه من إراقتِه عند السُّؤال؛ فحالُه إذًا أَشدُّ من حال المسكين الّذي لا يَعْدِمُ من يُعطيه.

فإذا ثبتَ أََنّ الفقيرَ هو الّذي لا يسأَلُ، وأَنّ المسكينَ هو السّائلُ؛ فالمسكينُ إذًا أَصلحُ حالًا من الفقير، والفقيرُُ أَشدُّ منه فاقةً وضرًّا، إلاَّ أنّ الفقيرَ أَشرفُ نفسًا من المسكين؛ لِعَدم الخُضوع الّذي في المسكين؛ لأَنّ المسكينَ قد جمع فقرًا ومسكنة، فحالُه في هذا أَسوأُ حالًا من الفقير، ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم:"ليس المسكينُ" (الحديث) ؛ فأَبانَ أَنّ لفظةَ المسكين في استعمال النّاس أَشدُّ قُبحًا من لفظة الفقير.

(1) - التّوبة/60.

(2) - اللِّسان (13/ 215) .

(3) - أعني: عليَّ بن حمزة كما في اللِّسان (13/ 216) .

(4) - صحيح مسلم (4/ 7 /129 نوويّ) .

(5) - صحيح مسلم (4/ 7 /129 نوويّ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت