خ وقد استعاذ رسولُ الله صلّى اللّه عليه وسلّم من الفقر، وسألَ المسكنة، حيث قال:"اللّهمّ إنّي أعوذ بك من"
الفقر"وقال:"اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا، وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا، وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ" [1] . وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى شِدَّةَ الْحَاجَةِ، وَيَسْتَعِيذَ مِنْ حَالَةٍ هي أَصْلَح مِنْهَا!."
د قال [2] الرّاجز:
هَلْ لَكَ في أَجْرٍ عَظِيمٍ تُؤْجَرُهْ * تُغِيثُ مِسْكينًا قليلًا عَسْكَرُهْ
عَشْرُ شِياهٍ سَمْعُه وبَصَرُه * قد حَدَّثَ النَّفْسَ بِمِصْرٍ يَحْضُرُهْ
فأَثبتَ أَنّ له عشرَ شياهٍ، وأَراد بقوله عَسْكَرُه غَنَمُه، وأَنّها قليلة.
ذ وَلِأَنَّ الْفَقْرَ مُشْتَقٌّ مِنْ فَقْرِ الظَّهْرِ، فَعِيلَ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، أَيْ فقير بمعنى مَفْقُور، وَهُوَ الَّذِي نُزِعَتْ فِقْرَةُ
ظَهْرِهِ، فَانْقَطَعَ صُلْبُهُ. قَالَ لَبيد [3] :
لَمَّا رَأَى لُبَدُ النُّسُورَ تَطَايَرَتْ * رَفَعَ الْقَوَادِمَ كَالْفَقِيرِ الْأَعْزَلِ
أَيْ لَمْ يُطِقْ الطَّيَرَانَ، كَاَلَّذِي انْقَطَعَ صُلْبُهُ. وَالْمِسْكِينُ مِفْعِيلٌ مِنْ السُّكُونِ، وَهُوَ الَّذِي أَسْكَنَتْهُ الْحَاجَةُ، وَمَنْ كُسِرَ صُلْبُهُ أَشَدُّ حَالًا مِنْ السَّاكِنِ.
2.مَنْ قالَ إنّ الفقيرَ أحسنُ حالًا مِن المسكين، و إنّ المسكينَ أسوأُ حالًا مِن الفَقير: قاله الْفَرَّاءُ، وَثَعْلَبٌ، وَابْنُ
قُتَيْبَةَ، ورواه ابن الأَنباريّ عن يونس، وهو قول أَبي حنيفة. وقد استدلُّوا لمذهبهم بما يلي:
أ عن يعقوب بن السِّكِّيت قال: قال يونس قلت لأعرابيّ: أفقيرٌ أنت أم مسكين؟. فقال: لا، بل مسكينٌ؛ فأَعلمَ أَنه
أَسوأُ حالًا من الفقير.
والجواب: هذا محتملٌ، ويُحتمل كذلك أنّه أراد: بل أنا أَحسن حالًا من الفقير، فكأنّه رَغِبَ عن اسم الفقير؛ لتَناهِيهِ في سوء الحال، فآثر التَّسمية بالمَسْكَنة.
ب قال الرّاعي يمدح عبدَ الملك بن مَرْوان ويشكو إِليه سُعاتَه: (البسيط)
أَمّا الفَقِيرُ الّذي كانتْ حَلُوبَتُهُ [4] * وَفْقَ العِيالِ [5] ، فلم يُتْرَكْ له سَبَدُ [6]
(1) - سبق تخريجه (ص؟ هامش 5) .
(2) - اللّسان (13/ 215) .
(3) - اللّسان (5/ 62) .
(4) - الْحَلُوبَةُ: النَّاقَةُ الَّتِي تُحْلَب.
(5) - وَفْقَ الْعِيَالِ: أَيْ أنّ لَبَنَهَا يَكْفِيهِمْ وحدَهم.
(6) - وَالسَّبَدُ فِي الْأَصْل الشَّعْرُ، وَاللَّبَدُ: الصُّوفُ. وقَوْلُهُ: (لَمْ يُتْرَكْ لَهُ سَبَدٌ) ، مِنْ مَثَلِ الْعَرَبِ فِي النَّفْيِ الْعَامِّ؛ فإذا قالوا: ماله سَبَدٌ ولا لَبَدٌ، أي ليس له شَيْءٌ، لاجَملٌ ولا شاةٌ.