فهرس الكتاب

الصفحة 127 من 177

الشّاهد: أنّه أَثبتَ للفقيرِ حَلوبةً، وجعلَها وَفْقًا لِعيالِه.

والجواب: إنّ الشّاعر لم يُثْبِتْ أَنّ للفقير حَلوبة؛ لأنّه قال: (الّذي كانت حَلوبتُه) ، ولم يقل الذي حَلوبَتُه، فأَعلَمَك أَنّه كانت له حَلوبةٌ فِيمَا مَضَى تَقُوتُ عِياله، ومَن كانت هذه حالُه؛ فليس بفقيرٍ، ولكن مسكين، ثمّ أَعلمَك بقوله: (فلم يُترَكْ له سَبَدٌ) أَنّ الحَلوبة أُخِذَتْ منه؛ فصارَ إذ ذاك فقيرًا. ونظيرُ هذا قولُك: أَمّا الفقيرُ الّذي كان له مالٌ وثرْوةٌ؛ فإِنّه لم يُترَكْ له سَبَدٌ؛ فلم تُثْبِتْ بهذا أَنّ للفقيرِ مالًا وثرْوَةً؛ لأَنّه لايكونُ فقيرًا مع ثروته وماله، وإنّما أَثبَتَّ سُوءَ حالِه الذي به صار فقيرًا، بعد أَن كان ذا مالٍ وثروة؛ وكذلك يكون المعنى في قول الرّاعي.

فحصلَ بهذا أَنّ الفقيرَ في البيت هو الّذي لم يُترَكْ له سَبَدٌ بأَخذِ حَلُوبَتِه، وكان قبل أَخذ حَلوبته مسكينًا؛ لأَنَ مَن كانت له حَلوبةٌ فليس بفقير، وإذا لم يكن فقيرًا فهو إمّا غنيٌّ، وإمّا مسكينٌ، ومَن له حَلوبةٌ واحدةٌ فليس بغنيٍّ، وإذا لم يكن غنيًّا لم يبق إلاّ أَن يكونَ فقيرًا أَو مسكينًا، ولا يصحُّ أَن يكون فقيرًا على ما تقدّم ذكره، فلم يبقَ أَن يكون إلاّ مسكينًا، فثبتَ بهذا أَنّ المسكينَ أَصلحُ حالًا مِن الفقير.

ت قوله تعالى: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي البَحْرِ} [1] ، فإنّه جعلهم مساكينَ بعد ذهاب السّفينة،

أو لأنّ سفينَتَهم غير مُعْتَدٍّ بها في جَنبِ ما كان لهم من المسكنة؛ فإنّه روي بأَنَّ السَّفِينَةَ لم تَكُنْ مِلْكًا لهم؛ لأنّهم كانوا يَعْمَلُون فيها بالأُجْرَة. ويَشْهَدُ لذلك قِرَاءَةُ من قَرَأَ بالتَّشْدِيد (لِمَسَّاكِينَ) .

والجوابُ أن يقال: إنّ الخروج بالنّص إلى ضرب من التّأويل، بحاجة إلى قرينة صارفة لمدلول ظاهر النّص، أو بيّنة من خارجه. والقول بأنّه جعلهم مساكين بعد ذهاب السّفينة لا يستقيم. لأنّ اللّام في قوله (لمساكين) تفيد التّمليك. والقول بأنّ سفينتَهم غير معتدٍّ بها؛ فهذا مجرّد تَخمين لا قيمة له. والقول بأنّهم كانوا أجراء كذلك؛ لأنّ القراءة صرّحت بكونهم أصحاب مهنة (ملاّحين) .

ث وصف اللهُ تعالى المسكينَ بالفقرِ؛ لمّا أَرادَ أَن يُعْلِمَ أَنّ خُضوعَه لِفَقرٍ، لا لأَمرٍ غيرِه بقوله عزّوجلّ: أَوْ مِسْكِينًا ذا

مَتْرَبَةٍ [2] ؛ والمَتْرَبةُ: الفقر، وهو الّذي لَصِقَ بالتُّراب، لشدَّة حاجته.

جوابُه أن يقال: إنّ اللّهَ عزَّ وجلَّ أَكدَّ سُوءَ حاله بصفة الفقر؛ ولا يُؤكَّدُ الشّيءُ إلاّ بما هو أَوكدُ منه.

ج قالوا: المسكينُ أسوأ حالًا؛ لأنّه يؤكَّدُ به. يقال: فقيرٌ مسكينٌ، ولا يقال العكس. والتأكيد إنّما يكون بالأقوى.

جوابُه: إنّ الفقيرَ قد يخلو من مذلّة السّؤال كما وصفَ الله الفقراء بقوله: {تَحْسَبُهُمْ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ} ؛ فهم لا يسألون النّاسَ، فإذا اضطرُّوا لسؤالهم عرّضوا أنفسَهم لمذلّة السّؤال؛ فيُقال لأحدهم حينئذٍ: فقيرٌ مسكينٌ.

ح ويدلُّ عليه قوله تعالى: لِلْفُقَرَِاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمْ الْجَاهِلُ

(1) - الكهف/79.

(2) - البلد/16.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت