أَغْنِيَاءَ مِنْ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ... [1] ، فوصفَهم بالفقر، وأخبرَ مع ذلك عنهم بالتَّعَفُّفِ حتّى يحسبهم الجاهلُ بحالهم أغنياءَ مِن التَّعَفُّفِ، ولا يحسبُهم أغنياءَ إلاّ ولهم ظاهرٌ جميلٌ وعليهم بزَّةٌ حسنةٌ.
جوابُه: قوله (أغنياء) : استحقّوا هذا الوصفَ لاستغنائهم عن النّاس، وليس لجمال مظهرهم، وحسن بزّتهم. ثمّ إنّ الحال الّتي أَخبرَ بها المولى عزّوجلّ عن الفقراء هي دون الحال التي أَخبر بها عن المساكين؛ فتأمّل.
خ ثبتَ في الصّحيحين [2] وغيرِهما مِن حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالَ رسولُ اللّه صلّى اللّه عليه
وسلّم: (ليس المسكينُ الذي يطوفُ على النّاسِ تَردُّه اللُّقمةُ واللُّقمتانِ والتَّمرةُ والتَّمرتانِ، ولكنِ المسكينُ الّذي لا يجدُ غِنًى يُغنيهِ، ولا يُفطَنُ به فيُتَصَدَّقُ عليهِ، ولا يقومُ فيسألُ النّاسَ) . وفي لفظٍ في الصّحيحين [3] مِن حديثه:"ليس المسكينُ الّذي تردُّه التّمرةُ، والتّمرتانِ، ولا اللُّقمةُ، ولا اللُّقمتانِ، إنّما المسكينُ الذي يَتَعفّفُ، واقرؤُوا إنْ شِئتُم يعني قولَه تعالى: (لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا) ."
فأفادَ هذا الحديثُ أنّ المسكينَ فقيرٌ لقوله:"لا يجدُ غنًى يُغنِيهِ"مع زيادة كونه مُتعفِّفًا لايقومُ فيسأل النّاسَ ولا يُفطَنُ له فيُتصدّق عليه. فالمسكينُ فقيرٌ متعفِّفٌ؛ وبهذا القيد يظهر الفرقُ بينهما، ويندفع قولُ مَن قالَ: إنّهما مستويان، وقولُ مَن قالَ: إنّ المسكينَ فوق الفقيرِ، وأعلى حالًا منه؛ لما هو معلومٌ مِن أنّ تَعَفُّفَه عن السّؤالِ، وعدم التّفطُّن لكونه فقيرًا؛ زيادة حاجة وعظم ضرورة.
والجواب: قوله صلّى اللّه عليه وسلّم: {لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِالطَّوَّافِ الَّذِي تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، وَلَكِنَّ الْمِسْكِينَ الَّذِي لَا يَسْأَلُ النَّاسَ، وَلَا يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ} . هَذَا تَجَوُّزٌ، وَإِنَّمَا نَفْيُ الْمَسْكَنَةِ عَنْهُ مَعَ وُجُودِهَا فِيهِ حَقِيقَةً، مُبَالَغَةٌ فِي إثْبَاتِهَا فِي الَّذِي لَا يَسْأَلُ النَّاسَ، كَمَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: {لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، وَإِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَغْلِبُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ} [4] . وَقَالَ: {مَا تَعُدُّونَ الرَّقُوبَ فِيكُمْ؟. قَال: قلنا الَّذِي لَا يُولَدُ لَهُ وَلَدٌ. قَالَ: لَيس ذاك بالرَّقُوبِ ولكنّه الرّجلُ الَّذِي لَمْ يُقَدِّمْ مِنْ وَلَدِهِ شَيْئًا} [5] . قَالَ: {فمَا تَعُدُّونَ الْمُفْلِسَ فِيكُمْ؟. قَالُوا: الَّذِي لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ. قَالَ: لَا، وَلَكِنَّ الْمُفْلِسَ الَّذِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ الْجِبَالِ، وَيَأْتِي وَقَدْ ظَلَمَ هَذَا، وَلَطَمَ هَذَا، وَأَخَذَ مِنْ عِرْضِ هَذَا، فَيَأْخُذُ هَذَا مِنْ حَسَنَاته، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، حَتَّى إذَا نَفِدَتْ حَسَنَاتُهُ، أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ، فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَصُكُّ لَهُ صَكٌّ إلَى النَّارِ} [6] .
قال النّوويُّ في شرحه على مسلم (4/ 7 /129) : (قَوْله صلّى اللّه عليه وسلّم:"لَيْسَ الْمِسْكِين هَذَا الطَّوَّاف"إِلَى قَوْله صلّى اللّه عليه وسلّم فِي الْمِسْكَيْنِ:"الَّذِي لَا يَجِد غِنًى يُغْنِيه"إِلَى آخِره، مَعْنَاهُ: الْمِسْكِين الْكَامِل الْمَسْكَنَة الَّذِي هُوَ أَحَقّ
(1) - البقرة/273.
(2) - مسلم (4/ 7 /129 رقم 101 نوويّ) ، والبخاريّ (4/ 104 رقم 1479 فتح) ، واللّفظ له.
(3) - مسلم (4/ 7 /129 رقم 102 نوويّ) ، والبخاريّ (9/ 63 رقم 4539 فتح) ، واللّفظ له.
(4) - أخرجه البخاريّ (12/ 148 رقم 6114 فتح) ، ومسلم (8/ 16 /162 نوويّ) .
(5) - أخرجه مسلم (8/ 16 /161 نوويّ) .
(6) - المغني (7/ 315) ، وهو في صحيح مسلم (8/ 16 /135 - 136 نوويّ) .