وقول مَن قال: إنّ البُرْهَةَ الزّمان [1] ، بإطلاق؛ فإنّما يعني: الزّمان الطّويل؛ لأنّه المعنى المتعارف في أصل الوضع.
وقيل [2] : البُرهة مدّة من الزمان. أي مدّة طويلة منه. يؤيّده قول صاحب الفروق اللّغويّة [3] : (وأمّا البُرهةُ فبعضُ الدّهر؛ ألا ترى أنّه يقالُ: بُرهةٌ من الدّهرِ، كما يقال قطعةٌ من الدّهر) .
وعلى هذا السَّنَن وُظِّفت هذه اللّفظة في صحيح السنّة، فمنها قوله عليه الصّلاة والسّلام:
أ(لا تَعجَبُوا بعَمَلِ أَحَدٍ حتَى تَنظُرُوا بما يُختَمُ له، فإنّ العامِلَ يَعمَلُ زمانًا مِن دَهْرِهِ أو بُرْهَةً مِن دَهرِهِ بعملٍ
صالحٍ لو ماتَ [عليه] دخلَ الجنّةَ، ثمّ يَتحوَّلُ فيعمَلُ عمَلًا سَيِّئًا، وإنّ العبدَ لَيعمَلُ زمانًا مِن دَهرِهِ بعملٍ سَيِّءٍ لو ماتَ [عليه] دخلَ النّارَ، ثمّ يَتحوَّلُ فيعمَلُ عملًا صالِحًا، وإذا أرادَ اللهُ بعبدٍ خيْرًا استعملَهُ قبلَ موتِهِ؛ فوَفَّقَهُ لِعملٍ صالح، [ثمَّ يَقْبضُهُ عليهِ] ) [4] .
ب وعن ابن عمر رضي الله عنه قال:(لقد عِشنا بُرْهةً مِن دهرِنا وأحدُنا يُؤتَى الإيمانَ مِن قبل القرآن، وتَنزلُ
السّورة على محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم فيتعلّمُ حلالَها و حرامَها، وزاجرَها وآمِرَها وما ينبغي أن يقفَ عنده منها كما تعلمون أنتم القرآنَ. لقد رأيتُ اليومَ رجالا يُؤتَى أحدُهم القرآنَ قبل الإيمان فيقرأُ ما بين فاتحتِه إلى خاتمتِه ما يدري آمرَه ولا زاجرَه، ولا ما ينبغي أن يقِفَ عنده، يَنثرُهُ نثرَ الدَّقْل) [5] .
2. (هُنَيْهَة و هُنَيَّة) [6] : يُرادُ بها الزّمنُ اليَسيرُ. والهِنْوُ بالكسر الوقتُ، تقولُ: أقمتُ عنده هُنَيَّةً أي: وُقَيْتًا، ومكثتُ
عنده هُنَيْهَةً، أي: ساعةً لطيفة.
يُؤيِّدُ هذا المعنى ورودُه في كثيرٍ من الأحاديث النّبويّة، فمنها:
أ عَنْ أَبِي مُوسَى رضي الله عنه: (أَنَّ النَّبِيَّ صلّى اللّه عليه وسلّم دَخَلَ حَائِطًا وَأَمَرَنِي بِحِفْظِ بَابِ الْحَائِطِ، فَجَاءَ
(1) - قاله أبو عبيد كما في تهذيب اللّغة (6/ 295 بره) .
(2) - الصِّحاح (6/ 2227 بره) ، والمصباح المنير (ص 336 ع 2) ، والمعجم الوسيط (ص 53 ع 1) .
(3) - (ص 192 - 193 رقم 768 حرف الحاء/الفرق بين الحِقْبَة والبُرهة) .
(4) - الصّحيحة (3/ 323 رقم 1334) .
(5) - قال الذهبي في تعليقه على مستدرك الحاكم: (1/ 91 رقم 101) : (هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط الشّيخين ولا أعرفُ له علّةً، ولم يُخرِّجاه) ، وأخرجه البيهقيّ في السُّنن الكبرى (3/ 120) ، والمروزيّ في مختصر قيام اللّيل (ص 179) ، وابن منده في الإيمان (1/ 254) ، والهيثميّ في مجمع الزوائد (1/ 404 رقم 755) ، وتخريج أحاديث الإحياء (1/ 177 رقم 177) .
(6) - وهُنَيَّة: تصغير هَنَّة على القياس، وهُنَيْهَةً على إبدال الهاء من الياء في هُنَيَّة؛ وذلك للقرب بين الهاء وحروف اللِّين، وأصلُها: هَنْوَةٌ يعني: شيئا يسيرا.