قال الشّيخُ بكر بن عبد اللّه أبو زيد - رحمه اللّه تعالى - في معجم المناهي اللّفظيّة (ص 167 - 168) : (إيّاكَ نعبدُ وإيّاكَ نستعينُ: بتخفيف الياء فيهما. فتشديد الياء في الموضعين مُتَعيَّنٌ، وفي تَخفيفهما قلبٌ للمعنى؛ لو اعتقدَهُ الإنسانُ لَكفَرَ. قال الخطّابيّ: (وممّا يجبُ أن يُراعَى في الأدعية: الإعرابُ، اّلذي هو عِمادُ الكلام، وبه يستقيمُ المعنى، وبعدمِهِ يَختَلُّ ويَفسُدُ، وربّما انقلبَ المعنى باللَّحْنِ حتّى يَصيرَ كالكُفْر، إنِ اعتقدَهُ صاحبُه، كدعاءِ مَن دعا، أو قراءة مَن قرأَ: إِيَاكَ نَعْبُدُ، وَإِيَاكَ نَسْتَعِينُ، بتخفيف الياء مِن إِيَّاكَ، فإنّ الإِيَا [بتخفيف الياء] : ضِياءُ الشَّمس، فيصيرُ كأنّه يقولُ: شَمسَكَ نعبدُ. وهذا كُفْرٌ. وأخبرني محمّد بن بحر الرُّهني، قال: حدّثني الشّاهُ بنُ الحسن، قال: قال أبو عثمان المازنيّ لبعضِ تلامذتِه: عليكَ بالنّحو؛ فإنّ بني إسرائيل كَفَرتْ بحرفٍ ثقيلٍ خَفَّفُوه، قالَ اللّهُ عزّوجلّ لعيسى:(إنِّي وَلَّدْتُكَ) [1] . فقالوا: (إنّي وَلَدْتُكَ) [2] . فكفروا"اهـ)."
وممّا سبقَ يُعلَمُ أنّ قراءةَ مَن قرأ (إِيَاكَ نعبدُ، و إِيَاكَ نَستعينُ) بتخفيف الياء [3] ليس بشيء؛ لأنّها: (قطعًا ليستْ ثابتة ولا هي قراءةٌ صحيحةٌ متواترةٌ، بل هي مثال لما لا ينبغي أن يُذكَرَ إلاّ لبيانه على سبيل الخطأ والشّذوذ في مثل تلك القراءة. فلا هي في القراءات العشر الصُّغرى ولا الكبرى ولا في الأربع الزّائدة، وقد انفردتْ المصادرُ بنسبتها في الشّواذّ لعَمرو بن فائد الإسواريّ المعتزليّ. ذكر ذلك الإمام ابنُ الجزريّ في غاية النّهاية ج 1 ص 602 في ترجمته وكذا في كتاب الشّواذّ للكرمانيّ ص 42، وبعضُ كتبِ التّفسير كما في معجم القراءات القرآنيّة للدكتور عبد العال ص 154 ج 1، ومعجم الدكتور الخطيب ص 14، وفي بعض المصادر أنّ عَمرًا هذا نسبَها لأُبَيّ، وحاشاهُ فهاهي القراءات المتواترة الّتي تنتهي إليه ليس فيها هذا الخطأ البَيِّن؛ فهي قراءةٌ مُنكَرَةٌ) [4] .
قال ابنُ كثير في تفسيره [5] (1/ 27 - 28) : (قرأَ السّبعةُ والجمهورُ بتشديد الياء من(إيّاك) ، وقرأَ عَمرو بن فايد بتَخفيفها مع الكسر وهي قراءةٌ شاذّةٌ مردودةٌ؛ لأنّ (إيا) ضوءُ الشّمس. وقرأ بعضُهم: (أَيَّاك) بفتح الهمزة وتشديد الياء، وقرأ بعضُهم: (هَيَّاكَ) بالهاء بدل الهمزة، كما قال الشّاعر [6] :
(1) - بتشديد اللّام.
(2) - بتخفيف اللّام.
(3) - معجم القراءات القرآنيّة (1/ 9 - 10 سورة الفاتحة) ، وفيه ذكر مؤلِّف المعجم أنّ لقوله تعالى:"إِيَّاكَ نعبد"أربعة أوجه للقراءة وهي:
أ- أَيَّاكَ: بفتح الهمزة وشدّ الياء، وهي للفضل بن عيسى الرّقاشي. مصادر القراءة: - الإعراب للنّحّاس (1/ 122) .- الإملاء للعكبريّ (1/ 4) . - البحر المحيط (1/ 23) . - تفسير القرطبيّ (1/ 146) .
ب- هِيَّاكَ: بكسر الهاء وشدّ الياء، لابن السّوار الغنويّ. مصادر القراءة: - البحر المحيط (1/ 23) . - تفسير القرطبيّ (1/ 146) .
ج- هَيَّاكَ: بفتح الهاء وشدّ الياء، لابن السّوار الغنويّ. المصدر: - البحر المحيط (1/ 23) .
د- إِيَاكَ: بكسر الهمزة وتخفيف الياء، لعَمرو بن فائد الأسواريّ - أبيّ [بن كعب] .المصادر: - البحر المحيط (1/ 23) . - تفسير القرطبي (1/ 146) . - المحتسب لابن جنِّي (1/ 40) .
(4) - عن د. أنمار، في جوابه عن سؤال: هل قراءة إياك نعبد بتخفيف الياء صحيحة؟. - عن ملتقى أهل التّفسير - القسم العام - ملتقى القراءات والتّجويد ورسم المصحف وضبطه (ضمن الشّبكة العنكبوتيّة) -
(5) - الطّبعة الأولى لدار الثقافة بالجزائر 1410 - 1990.
(6) - لطفيل الغنويّ كما في أساس البلاغة (ص 157 رحب) ، وشرح شافية ابن الحاجب (4/ 474) .