أمّا بشأنِ الغَلَط، فهو تَوظِيفُهُم لكلمةِ: (تَقْيِيم) لِتَدُلَّ على معنى: إبرازِ وتحديدِ قيمةِ الشَّيءِ ومحصِّلتِه ونتيجتِه.
وتَوظيفُهم لكلمة (التَّقْوِيم) لِتَدُلَّ على معنى: إصلاح المُفسد، و إقامة وتَعديل المُعْوَجّ.
وهذا التّفريق بين هاتين اللّفظتين من حيث التّباين في الدّلالة، غير معروف [1] في لسان العرب، ولا لهجَ به علماءُ العربية وأئمّةُ اللّغة فيما حَبَّرَتْهُ أيديهم من صُنُوف الآداب، ولا فيما رَسَمُوه لنا من أصول اللّغة.
(1) - ذا في حدود علمي. ويؤيّده ما قرّره في تطهير اللّغة (1/ 1 /23 - 25 رقم 37) : (أقرّ المجمع اللّغويّ"تقييم"بمعنى"تقويم"والتّقويم هو الأصحّ، يقال: قَوَّمَ - لا قَيَّمَ - الشّيءَ تقويمًا إذا حدّدَ قيمتَهُ، وفي الحديث: قالوا يا رسول اللّه لو قوّمت - لا قيّمت - لنا؟.أي سعّرت لنا، فقال: اللّه هو المقوّم - لا المقيّم. والقيمة واحدة القيم وأصله الواو - لا الياء - لأنّه يقوم مقام الشّيء. والّذي دفع المجمع الموقَّر إلى هذا هو التّفرقة بين قوّم بمعنى عَدَّل"قوّمت العود المعوّج أي عدَّلته بعد اعوجاج"، وقوّم بمعنى جعل للشّيء قيمة أي حدّد له ثمنًا"سعّره".وهذه نيّة حسنة من مجلسنا الموقَّر نُحسن الظنّ بها بل ونحترمها ... ولكنّ العلم لا يقوم على حسن النّيات، فاللّغة تؤخذ من أهلها واضعيها وما دام لدينا قوَّم التي تفيد تقويم المعوّج والتي تفيد أيضا تحديد القيمة، وما دامت الكلمة لا تعمل مفردةً بل من خلال السياق ... فإنّها - من خلاله - تعطينا ما أراده الكاتب من معنىً يحدّده السِّياق الذي وردت فيه ... فلو قلت مثلًا: قوّمت السّيخ المعوّج وقوّمت السّلعة، فسيفهم القاريء أو السّامع أنّ الأولى من التّقويم بمعنى"التّعديل"وأنّ الثانية من التّقويم بمعنى"تحديد القيمة".ولو قلت: قوّم النّاقد أعمال الأديب فإنّ السّامع لن يفهم إلاّ معنى"القيمة"أي أنّ النّاقد قد وقف على قيمة الأعمال المنقودة وسيكون حكمه على ضوء ما وقف عليه من قيمة ... ) .