شعر أنه غَنِىٌ بالله الذي لا يحتاجُ إلى شيءٍ مما يحتاجُهُ البَشَر، فهُوَ سبحانه الذي يسألُهُ مَن في السموات والأرض، (وهذا هُوَ مَشهَدُ التوحيد في الصيام) .
-فهذا المَشهَد يَدفعُ العبدَ عن ارتباطِ قلبه بالمخلوقين، وعن التعلق بهم، وعن التوكل عليهم، فلا يعتمدُ على أحدٍ إلا الله، ولا يستعينُ إلا به وحده، وذلك لأنه قد رأى ضَعفَ البَشَر مِن حَولِهِ في هذا الشهر، ورأى ذُلَّهُم وفقرَهُم لِفَقد الطعام والشراب وحِرمَانِهِم منه، فصارُوا لا حَوْلَ لهم ولا قوة، فحينئذٍ يَعلمُ أنه لا يَجُوز له أنْ يتوكل على ضعيفٍ مثله، أو على فقيرٍ مثله، أو على مَن يَموتُ مثله، فيتوجه كل اعتمادِهِ على اللهِ الحيِّ القيوم، وحينئذِ يدعوهُ وهو مُوقِنٌ بالإجابة، لأنه قد عَلِمَ يقينًا أنه سبحانه القويّ الغنيّ الذي بيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شيء.
-وهناك مَشهَدٌ آخر يَظهَرُ عِندَ الإفطار وهو: (مشهد الفرح) ، وذلك عندما تأتى قبل الإفطار بلحظات والماء أمامك. وحلقك سيتقطع من العطش، فتجِدُ أنَّ نفسك التي بينَ جنبَيْكَ تقولُ لك: (اشرب) ، ولكنَّ اللهَ يقولُ: (لا تشرب) ، فتجعلُ حُكمَ اللهِ يَمضى على نفسك، كما قال تعالى: (إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ) [1] ، فحينما يأتى الإذنُ مِن المَلِكِ سبحانه وتعالى تفرحُ بفطرك، وتفرحُ بانتصارك على نفسِك، كما قال تعالى: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا) [2] ، أي بفضل الله الذى وفقك لأداء الطاعة كما
(1) (يوسف 40)
(2) (يونس 58)