انحيازك عن أبي ديك، كنت ذلك الرجل، قال: والله يا أمير المؤمنين، ما انحز حتى لم أجد مقاتلا، وخلني الناس، فرأيت أن انحيازي إلى فئة أفضل من تعريضي عصبة بقيت من المسلمين للهلكة، وقد علم ذلك متراژ بن عبد الرحمن بن أبي بكرة، وكتب إليك خالد بن عبد الله (1) بما بلغه من عذري»، وكان خالد كتب إلى عبد الملك بعذره، ويخبره أن الناس خذلوه، فقال مار: صدق أمية يا أمير المؤمنين! لقد صبر حتى لم يجد مقاتلا، وخذله الناس، فولاه عبد الملك راسان، فقال الناس: ما رأينا أحدا عوض من هزيمة ما عوض أمية، من أبي فديك، فاستعمل على خراسان (2) !!!
ومن الواضح أن عبد الملك اقتنع بعذر أمية، وإلا لما ولاه خراسان لأن من واجبات الوالي في تلك الأيام قيادة الجيوش للفتح واستعادة الفتح بالإضافة إلى واجباته الأخرى، ولا يمكن أن يولى قيادة الجيوش جبانا
وكما قبل عبد الملك عذر أمية، قبله عقلاء القوم ومنصفوهم، فحين انحاز أمنية وقدم البصرة، دخل عليه أهل البصرة فاحتاروا كيف يكتمونه ولا ما يلقونه من القول، يهنئونه أم يعزونه، حتى دخل عليه عبد الله بن الأهتم، فاستشرف له الناس وقالوا: ما عسى أن يقال للمنهزم فسلم وقال: «مرحبا بالابر المخذول، الذي خذله قومه. الحمد لله الذي تظر لنا عليك ولم نظر لك علينا. فقد تعرضت للشهادة جهدك، ولكن علم الله تعالى حاجة أهل الإسلام إليك، فأبقاك لهم بخذلان من معك لك» ، فقال أمية بن عبد الله: ما وجد أحدا أخبرني عن نفسي غيرك» (3) .
ولكن أكثر الناس لا يرحمون، خاصة الحكام الذين يستطيعون أن يعطوا ويمنعوا ويصلوا ويقطعوا، ويأخذوا حقوق المظلوم من الظالم ويشيعوا
(1) هو والي البصرة حينذاك وشقيق أمية بن عبد الله.
(2) الطبري (199/ 9 - 200) وابن الأثير (4/ 347) .
(3) العقد الفريد (1/ 143) .