ومن الواضح أن الحكم كانت له سجايا إدارية وقيادية متميزة، لذلك أقدم زياد وهو من هو دهاء وحكمة وحنكة على توليته (خراسان) القاعدة الأمامية المتقدمة في المشرق للفتح الإسلامي شرقا وشمالا وجنوبا؛ وليس للعاطفة دخل في تولية الحكم، كما يحلو لقسم من المؤرخين القدامى أن يصوروا تولية الحكم الخراسان، فقد كان زياد أبعد الناس عن العواطف كما هو معروف عنه، كما كان الحكم وهو الصحابي الجليل لا يرضى أن يحمل نفسه ما لا تطيق، ولا أن يتولى أمرا لا يستطيع النهوض بأعبائه.
وقد يكون الحاجب أخطأ في استدعاء الحكم الغفاري إلى زياد، ولكن زيادة لم يخطئ في تولية الحكم الغفاري خراسان، فقد كان أهلا للإدارة والقيادة كما أثبتت الأيام ذلك من بعد.
في سنة سبع وأربعين الهجرية (667 م) ، غزا الحكم (طخارستان) (1) فغنم غنائم كثيرة (2) ، ثم سار إلى جبال الغور (3) وغزا أهلها الذين ارتدوا عن الإسلام، فأخذهم بالسيف قوة وفتحها وأصاب منها مغانم كثيرة (4) .
وكان المهلب بن أبي صفرة مع الحكم ب?راسان، فغزا معه بعض جبال الترك وغزا معه جبل (الأشل) (5) من جبال الترك، إلا أن الترك أخذوا عليهم الشعاب والطرق. واحتار الحكم بالأمر، فولي المهلب الحرب، فلم يزل المهلب يحتال حتى أسر عظيمة من عظماء الترك، فقال له: إما أن تخرجنا من هذا الضيق، أو لأقتلنك»، فقال له: «أوقد النار حيال طريق من هذه الطرق، وسير الأثقال نحوه، فإنهم سيجتمعون فيه ويخلون ما سواه من
(1) طخارستان: ولاية واسعة كبيرة تشتمل على عدة بلاد، وهي من نواحي خراسان، انظر التفاصيل في معجم البلدان (31/ 4) والمسالك والممالك للاصطخري (109) .
(2) ابن خلدون (9/ 3) وابن الأثير (3/ 452)
(3) الغور: جبال وولاية بين هراة وغزنة، انظر التفاصيل في معجم البلدان (9/ 313) .
(4) ابن الأثير (3/ 456)
(5) جبل الأشل: جبل في ثغور خراسان، انظر معجم البلدان (1/ 290)