العدل بين الرعية، فإن هؤلاء إذا كان قد قصروا في ميدان القتال بالهروب، أو اتهموا بأعراضهم حقا أو باط، أو مزوا بنزاهتهم صدقة أو زورة، فإن أكثر الناس لا يرحمونهم حتى ولو كانت لهم أعذارهم الواضحة الجلية، فهم هدف لكل قاذف، ولا ينجون من اللمز سرا أو جهرة في حياتهم وبعد موتهم أيضا. إذ يبقى هروب الهارب ووصمة العرض وتهمة غير النزيه في الشعر والنثر مسطرة وفي الصحف، ينقلها الأبناء عن الآباء والخلف عن السلف، وتبقى ما بقيت الكتب ويقي القراء
ولا تزال الكتب تروي النكتة البارعة والنثر والشعر عن هروب أمية، معرضة عن عذره الصادق الواضح الصريح
فمن النكات: جلس يومة أمنية بالبصرة فقال: اسرث على فرسي المهرجان (1) من البحرين إلى البصرة في ثلاثة أيام، فقال له بعض جلسائه: أضل الله الأميرا فلو ركبت النيروز لسرت إليها في يوم واحد (2) .
والوضع في هذه النكتة ظاهر، والهدف هو التشنيع.
وفي أمية قال الشاعر: إذا صوت العصفور طارزاده ولي حديث الباب عند الثرائد (3)
ومن الواضح أن الشاعر مفتر في شعره على امية، حمزه إلى قوله طمعه الذي لم يتحقق، ولكن قوله بقي إلى هذا اليوم وسيبقى أبدأ.
وقد تعمدت أن أذكر هذه الشواهد، مع يقيني بانحرافها عن الحق، الأرز على (العبرة) ، فلا بد أن يحاذر المرء الفرار من ساحة القتال، حتى ولو كان مضطرة، لأن عار الفرار - وبخاصة عند العرب - لا تمحوه الأيام.
وما يقال عن الفرار، يقال عن تلوث العرض والنزاهة، فعارهما لا
(1) المهرجان: أي من يوم المهرجان.
(2) العقد الفريد (142/ 1 - 143) .
(3) العقد الفريد (143/ 1) و (1/ 140) .