التولي بمعنى الموالاة فكما أن موالاة الكفار ذات شعب متفاوتة، منها ما يخرج من الملة كالموالاة المطلقة لهم، ومنها مادون ذلك ... ، فإن تولي الكفار مثل موالاتهم، فهناك التولي المطلق التام الذي يناقض الإيمان بالكلية، وهناك مراتب دون مراتب .... وتضمنت [رسالة الدلائل في حكم موالاة أهل الإشراك للشيخ سليمان بن عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب رحمهم الله تعالى] أكثر من عشرين دليلًا في النهي عن موالاة الكفار، فكان مما قاله رحمه الله:"قوله تعالى:"أَلَمْ تَرَ إِلَى الّدِينَ نَافَقُوا يَقُوْلُونَ لِإِخْوَانِهِم الّدِيْنَ كَفَرُوْا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكَمَ وَلَا نُطِيْعُ فِيْكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوْتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ والله يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَادِبُوْنَ" [الحشر: 11] ، فإذا كان وعد المشركين في السر - بالدخول معهم ونصرتهم والخروج معهم إن جَلَوا- نفاقًا وكفرًا وإن كان كذبًا، فكيف بمن أظهر لهم ذلك صادقًا ودخل في طاعتهم، ودعا إليهم، ونصرهم وانقاد إليهم، وصار من جملتهم، وأعانهم بالمال والرأي؟ هذا مع أن المنافقين لم يفعلوا ذلك إلا خوفًا من الدوائر كما قال تعالى:"فَتَرَى الّدِيْنَ فِيْ قُلُوْبِهِم مَرَضٌ يُسَارِعُوْنَ فِيِْهِمْ يَقُوْلُوْنَ نَخْشَى أَنْ تُصِيْبَنَا دَائِرة" [المائدة:52] . [انظر نواقض الإيمان القولية والعملية صـ 381، 383] . ... وهذا النوع من الموالاة وهو تأييد ونصرة الكافرين على المسلمين هو مراد الإمام محمد بن عبدالوهاب في هذا الناقض واستدل بقوله تعالى:"وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ" [المائدة: 51] ، وتقدَّم بيان معنى هذا الناقض في المسألة الأولى، وأنه باب عظيم من تقحَّمه فقد خرج من الباب الأسمى والعروة الوثقى وتنكب عن الصراط المستقيم، فهو باب يخرج من ملة الإسلام، وعليه فتحرم موالاة الكافرين على المسلمين بالمال والنفس والرأي، وإن لم يقع في القلب مودتهم وحبهم."
قال ابن تيمية:"فمن قفز منهم إلى التتار كان أحق بالقتال من كثير من التتار، فإن التتار فيهم المكرَه وغير المكرَه، وقد استقرت السنة بأن عقوبة المرتد أعظم من عقوبة الكافر الأصلي من وجوه متعددة" [انظر مجموع الفتاوى (28/ 534 و 28/ 530،531) ومجموع الفتاوى المصرية صـ (507، 508) ]
وقال ابن القيم في"أحكام أهل الذمة" (1/ 67) :"قد حكم ـ الله ـ ولا أحسن من حكمه أن من تولى اليهود والنصارى فهو منهم"وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ" [المائدة: 51] فإذا كان أولياءهم منهم بنص القرآن كان لهم حكمهم".
وقال ابن حزم في"المحلى" (11/ 35) :"وصح أن قول الله تعالى:"وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ" [المائدة: 51] "إنما هو على ظاهره بأنه كافر من جملة الكفار فقط، وهذا حق لا يختلف فيه اثنان من المسلمين"."
وقال الشيخ سلميان بن عبد الله آل الشيخ في مقدمة كتاب"الدلائل":"اعلم رحمك الله أن الإنسان إذا أظهر للمشركين الموافقة على دينهم خوفا منهم، ومداراة لهم، ومداهنة لدفع شرهم، فإنه كافر مثلهم، وإن كان يكره دينهم ويبغضهم ويحب الإسلام والمسلمين، هذا إذا لم يقع منه إلا ذلك، فكيف إذا كان في دار منعة واستدعى بهم"