الحال الأولى: أن يطيعه في ذلك مع علمه بتبديله لحكم الله ومخالفته للرسل فيعتقد مع ذلك تحريم ما أحل الله وتحليل ما حرم الله إتباعًا له فهذه الحالة شرك أكبر مخرج من الملة.
الحال الثانية: أن يطيعه في ذلك مع اعتقاده تحريم ما حرمه الله وتحليل ما أحل الله ولكن طاعته له في ذلك عن هوى وعصيان مع اعترافه بذنبه وأنه عصى الله في ذلك فهذا حاله حال أهل الذنوب والمعاصي. (انظر مجموع فتاوى ابن تيمية 7/ 70) .
ـ وقد يكون شرك الألوهية في الأعمال كذلك كمن يصلي لغير الله أو يركع ويسجد لغير الله، أو يذبح لغير الله كأن يذبح للجن أو للقبر كما ذكر المصنف وسبق أن هذا النوع وهو شرك الألوهية أغلب أنواع التوحيد الثلاثة انتشارًا. فمن جعل شيئًا من العبادة لمخلوق كائنًا من كان، فقد أشرك بالله تعالى في عبادته، واتخذ مع الله ندًا يصرف العبادة إليه.
ـ وقد يكون شرك الألوهية في الأقوال كمن يدعو غير الله سواءً كان دعاء عبادة أو دعاء مسألة أو يستغيث بغير الله أو يستعين بغير الله أو يستعيذ بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله - عز وجل - فقد وقع في الشرك سواءً كان هذا الغير نبيًا أو وليًا أو ملكًا أو جنيًا أو غير ذلك من المخلوقات. ولهذا قال الله تعالى عن الذين يدعون غيره:"فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ" [العنكبوت: 65] ، لأنهم في حال الرخاء والنجاة يدعون غير الله - عز وجل - فسماهم مشركين، وهذا النوع يسمى شرك الدعوة، أو شرك الدعاء، والدعاء عبادة عظيمة لا يجوز صرفها لغير الله، فمن دعا الله وهو يريد بالدعاء طلب نفع أو دفع ضر فهذا الدعاء يسمى (دعاء مسألة) ومن دعا الله وهو يريد بالدعاء الخضوع والانكسار والذل بين يدي الله - عز وجل - شأنه فهذا الدعاء يسمى (دعاء عبادة) والدعاء بنوعيه دعاء المسألة ودعاء العبادة لا يجوز صرفه لغير الله تعالى والدعاء أعظم العبادات وأفضل القربات قال تعالى"وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ" [البقرة: 186] وقال آمرًا بدعائه وسؤاله:"وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ" [غافر: 60] وجاء في مسند الإمام أحمد ورواه أهل السنن من حديث بشير أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"إن الدعاء هو العبادة"ثم قرأ"وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي".
قال ابن القيم في مدارج السالكين (1/ 353) مبينًا شناعة هذا الشرك وعظمه:"ومن أنواعه ـ أي الشرك الأكبر ـ طلب الحوائج من الموتى، والاستغاثة بهم، والتوجه إليهم، وهذا أصل شرك العالم، فإن الميت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا، فضلًا عمن استغاث به، وسأله قضاء حاجته، أو سأله أن يشفع له إلى الله فيها، وهذا من جهله بالشافع، والمشفوع له عنده".