يتقبل الله من المتقين [1] ... .
ومعنى قوله: (لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ) أي: إن الله عز ذكره قد كان حرم عليهم قتل نفس بغير نفس ظلما، وأن المقتول قال لأخيه: ما أنا بباسط يدي إليك إن بسطت إلىّ يدك. لأنه كان حراما عليه من قتل أخيه مثل الذي كان حراما على أخيه القاتل من قتله، فأما الامتناع من قتله حين أراد قتله، فلا دلالة على أن القاتل حين أراد قتل وعزم عليه، كان المقتول عالما بما هو عليه عازم منه و محاول من قتله، فترك دفعه عن نفسه.
و قد ذكر جماعة من أهل العلم أنه قتله غيلة، اغتاله و هو نائم، شجّ رأسه بصخرة فإذا كان ذلك ممكنا، ولم يكن في الآية دلالة على أنه كان مأمورا بترك منع أخيه من قتله، لم يكن جائزا ادعاء ما ليس في الآية إلا ببرهان يجب تسليمه، (إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ) و الخائف لله لا يقدم على الذنوب خصوصا الذنوب الكبار، (إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ) معناه: إني أريد أن تبوء بإثمي من قتلك إياي، و إثمك من معصيتك الله، (فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ) دل أن القتل من كبائر الذنوب، وأنه موجب لدخول النار [2] ... .
(فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ) قال ابن عباس: بعثته على قتله، وقال أيضا هو و مجاهد: شجعته، وقال الأخفش: رخصت، وهذه أقوال متقاربة المعنى، وهو من فعل الطوع، وهو الانقياد، والمعنى: أن القتل في نفسه مستعصب عظيم على النفوس، فردّته هذه النفس اللحوح الأمارة بالسوء، طائعا منقادا حتى أوقعه صاحب هذه النفس، (فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ) قال ابن عباس: خسر الدنيا
(1) الرازي، تفسير الفخر الرازي المشتهر بالتفسير الكبير ومفاتيح الغيب، 11/ 211.
(2) الطبري، تفسير الطبري جامع البيان عن تأويل آي القرآن، 8/ 330، وينظر: السعدي، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص 207.