تعالى، وهو مِن أَوْثَق مَن نَقَل كلام العرب (1) .
مُنَاقَشَة هذا الدليل:
وقَدْ نُوقِش هذا الدليل مِن وجْهيْن:
الوجه الأول: أنَّه يحتمل أنْ يَكون قَوْل أبي عُبَيْد - رحمه الله تعالى - عن نظر واستدلال مِن قِبَل نَفْسه مِثْلَمَا تقولون، لا أنَّه قال ذلك عن أهْل اللغة، وإذا كان كذلك فلا يَصلح حُجَّةً كَمَا ادَّعَيْتُمْ.
الجواب عَنْ هذا الوجه:
ويُمْكِن رَدّ هذا الوجه مِن المُنَاقَشَة: بأنَّه احتمال مردود؛ لأنّ تفسير حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يَكون إلا بما عُرِف مِن لسان العرب، وهو ما فَعَله أبو عُبَيْد رحمه الله، ولَيْس تفسيرًا مِن قِبَل نَفْسه أو مِن خاطِره.
الوجه الثاني: أنّ هذا الدليل مُعارَض بما نُقِل عن الأخفش (2) رحمه الله تعالى أنَّه نَفَى حُجِّيَّة مفهوم المخالَفة، وهو أحد أئمّة اللغة وفصحائها، فدَلّ ذلك على أنَّه ليس مِن مفهوم اللغة.
الجواب عن هذا الوجه مِن المُنَاقَشَة:
وقَدْ رُدّ هذا الوجه مِن المُنَاقَشَة مِن وجْهيْن:
الأول: أنّ هذا نَقْل لَمْ يَثْبُتْ عن الأخفش رحمه الله تعالى.
الثاني: سَلَّمْنَا - جَدَلًا - بثبوته، لكنّه مُعارَض بما ثَبَت عن إماميْن مِن أعلام اللغة: الإمام الشافعي - رضي الله عنه - وأبي عُبَيْد رحمه الله تعالى، وحينئذٍ يرجح ما نُقِل عن الاثنين على ما نُقِل عن واحد (3) .
الدليل الخامس: أنّ مفهوم المخالَفة لو لم يَكُنْ حُجَّةً لَمَا كان لِتخصيص المذكور بالذِّكْر فائدةً؛ إذ الفرض عدم فائدة غَيْره، واللازم باطِل؛ لأنَّه لا يستقيم أنْ
(1) يُرَاجَع: قواطع الأدلّة 2/ 21، 22 والمختصر مع شَرْح العضد 2/ 174، 175 وشَرْح الكوكب المنير 3/ 503 وغريب الحديث 2/ 175
(2) الأخفش: هو أبو الحَسَن سعيد بن مَسْعَدة المُجَاشِعي البلخي البصري النحوي رحمه الله تعالى، أَخَذ عن سيبويه.
مِن مؤلَّفاته: تفسير معاني القرآن، الأوسط في النَّحْو، المقاييس في النَّحْو، العَرُوض.
تُوُفِّي رحمه الله سَنَة 221 هـ.
وفيات الأعيان 2/ 380
(3) يُرَاجَع: قواطع الأدلّة 2/ 22 ومختصر المنتهى مع شَرْح العضد 2/ 174، 175