مُنَاقَشَة هذا الدليل:
وأَرَى مُنَاقَشَة هذا الدليل: بأنَّنَا لو سَلَّمْنَا لكم جدلًا بأنَّه لا مانِع مِنْ ورود الخِطَاب فيما بَعْد الغاية بمِثْل الحُكْم السابق قَبْلَها لَكان قوله تعالى {وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْن} (1) الذي يَدُلّ مفهومه المخالِف على جواز إتيان الزوجة بَعْد طُهْرِهَا منسوخًا بالحُكْم الوارد بَعْد ذلك بِمِثْل الحُكْم السابق على هذا الحُكْم المُقَيَّد بالغاية كَمَا لو وَرَد خِطَاب بجواز إتيان الزوجة مُطْلَقًا ..
وإذا كان كذلك لَمْ يَكُنْ ذلك نفيًا لِمفهوم الغاية كَمَا ادَّعَيْتُمْ، وإنَّمَا هو نَسْخ ورَفْع لِحُكْم سابق، وحينئذٍ يَكون نزاعكم في منطوق الخِطاب الجديد ولَيْس مفهوم النَّصّ أو الخِطَاب الأول الذي هو محلّ نِزَاعِنَا.
تعقيب وترجيح:
بَعْد الوقوف على مذاهب الأصوليّين وأدلّتهم في مفهوم الغاية يَتَّضِح ما يلي:
1 -أنّ أصحاب المذهب الثاني مُنْكِري مفهوم الغاية أو المفهوم بصفة عامَّة إنَّمَا احْتَجُّوا بأنّ المسكوت عنه لا دليل عليه، فالغاية تقييد لِلحُكْم بما قَبْلَهَا وسكوت عَمَّا بَعْدَهَا، ولِذَا يَبْقَى الحُكْم على ما كان عليه قَبْل النطق (2) ولِذَا فإنَّهم يتَّفِقون مع الجمهور أصحاب المذهب الأول في أنّ الحُكْم قَبْل
الغاية لا يَسْتَمِرّ بَعْدَهَا ..
ثُمّ افْتَرَقَا بَعْد ذلك:
فالجمهور قالوا: إنَّه يَنْتَفِي بانتفائها.
والمُنْكِرون زادوا عليهم: بأنّ الحُكْم يَعُود إلى ما كان عليه قَبْل الغاية.
2 -أنّ وجهة المذهب الثاني فيها نَظَر؛ لأنَّهَا تُقَلِّل مِنْ فائدة التقييد بالغاية؛ لأنّ الغاية نهاية كَمَا قال ابن قدامة رحمه الله تعالى:"ونهاية الشيء مَقْطَعُه، فإنْ لَمْ يَكُنْ مَقْطَعًا فَلَيْس بنهاية ولا غاية" (3) ا. هـ.
3 -أنّ أدلَّة المذهب الثاني لَمْ تَسْلَمْ مِنَ المناقَشة والاعتراض، وفي المقابِل سلامة أدلَّة المذهب الأول، الأمر الذي يؤهِّله لِلترجيح والاختيار.
(1) سورة البقرة مِنَ الآية 222
(2) يُرَاجَع المستصفى /272
(3) روضة الناظر 2/ 761