التأكيد لجوَّز السامع كون الساجد أكثرهم ...
مسألة: قال بعض العلماء [1] في قوله تعالى: {فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} [2] فائدةُ ذكر (كل) رفع وهم من يتوهم أن الساجد البعض، وفائدة ذكر (أجمعون) رفع وهم من يتوهم أنهم لم يسجدوا في وقت واحد، بل سجدوا في وقتين مختلفين. والأول صحيح، والثاني باطل؛ بدليل قوله تعالى: {لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [3] ؛ لأن إغواء الشيطان لهم ليس في وقت واحد، فدل على أن (أجمعين) لا تَعَرُّض فيه لاتحاد الوقت، وإنما معناه كمعنى (كل) سواء، وهو قول جمهور النحويين، وإنما ذكر في الآية تأكيدًا على تأكيد، كما قال تعالى: {فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا} [4] .
* قال الله تعالى: {الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ} [5] فعضين مفعول ثان لجعل منصوب بالياء، وهي جمعُ (عِضةٍ) ، واختلف فيها. فقيل: أصلها (عُِضْوٌ) ، من قولهم: عضَّيْتُه تعضيةً إذا فرَّقْته، قال رؤبة [6] :
وليس دينُ الله بالمُعَضَّا
(1) نسبه الزجاج - في معاني القرآن (3/ 179) - إلى المبرد، ونسب إلى الخليل وسيبويه أنهما قالا: (أجمعون) توكيد بعد توكيد.
(2) الآية السابقة.
(3) سورة الحجر، الآية: 39.
(4) سورة الطارق، الآية: 17، وتفسير ابن هشام هذا في شرح شذور الذهب، ص (429، 431، 432) .
(5) سورة الحجر، الآية: 91.
(6) البيت في مجموع أشعار العرب، ص (81) ، وفي لسان العرب (9/ 264) (عضه) .