وقد ذكر ابن القيم أن سورة الإخلاص فيها كمال التوحيد العلمي الاعتقادي وإثبات الأحدية لله المستلزمة نفي كل شركة عنه، وإثبات الصمدية المستلزمة لإثبات كل كمال له، هذا مع كون الخلائق تصمد إليه في حوائجها وتقصده الخليقة وتتوجه إليه، وفيها أيضا نفي الوالد والولد والكف عن طلبه، وهذا متضمن لنفي الأصل والفرع والنظير والمماثل، ولذلك صارت هذه السورة تعدل ثلث القرآن، ففي اسمه الصمد إثبات كل الكمال، وفي نفي الكفء التنزيه عن الشبيه والمثال، وفي الأحد نفى كل شريك لرب العزة والجلال، وهذه الأصول الثلاثة هي مجامع التوحيد (1) .
قال ابن تيمية: ( كذلك فإن هذين الاسمين يستلزمان سائر أسماء الله الحسنى وما فيها من التوحيد كله قولا وعملا، والنبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر هذين الاسمين فقال:( الله الواحد الصمد تعدل ثلث القرآن ) (2) ، وذلك أن كونه أحدا وكونه الصمد يتضمن أنه الذي يقصده كل شيء لذاته ولما يطلب منه، وأنه مستغن بنفسه عن كل شيء، وأنه بحيث لا يجوز عليه التفرق والفناء، وأنه لا نظير له في شيء من صفاته، ونحو ذلك مما ينافي الصمدية، وهذا يوجب أن يكون حيا عالما قديرا ملكا قدوسا سلاما مهيمنا عزيزا جبارا متكبرا ) (3) .
(1) الطب النبوي ص141بتصرف .
(2) رواه البخاري من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - ولفظه: ( قَالَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم لأَصْحَابِهِ: أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ في لَيْلَةٍ؟ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَقَالُوا: أَيُّنَا يُطِيقُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: اللَّهُ الْوَاحِدُ الصَّمَدُ ثُلُثُ الْقُرْآنِ ) انظر كتاب فضائل القرآن، باب فضل قل هو الله أحد 4/1916 (4727) .
(3) بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية 2/459 .