كما أن هذا الاسم الأعظم أو الأحد الصمد دل على أن الله لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، فإن الصمد هو الذي لا جوف له ولا أحشاء، فلا يدخل فيه شيء، ولا يأكل ولا يشرب، سبحانه وتعالى كما قال: { قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ } [الأنعام:14] ، وفي قراءة الأعمش وغيره ولا يطعم بالفتح (1) ، وقال تعالى: { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ } [الذريات:56/57] ، ومن مخلوقاته الملائكة وهم صمد لا يأكلون ولا يشربون؛ فالخالق لهم جل جلاله أحق بكل غنى وكمال جعله لبعض مخلوقاته (2) .
وقد فسر بعض السلف الصمد بأنه الذي لا يأكل ولا يشرب، وأن الصمد هو المصمد الذي لا جوف له؛ فلا يخرج منه عين من الأعيان ولا يلد، وهو كلام صحيح على معنى أنه لا يفارقه شيء منه، ولهذا امتنع عليه أن يلد وأن يولد، وذلك أن الولادة والتولد، وكل ما يكون من هذه الألفاظ لا يكون إلا من أصلين، وما كان من المتولد عينا قائمة بنفسها فلابد لها من مادة خرج منها، وقد نفى الله ذلك بقوله: { قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ } [الإخلاص:1] ، فإن الأحد هو الذي لا كفؤ له ولا نظير فيمتنع أن تكون له صاحبة، والتولد إنما يكون بين شيئين، قال تعالى: { أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُل شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [الأنعام:101] ، فنفى سبحانه الولد بامتناع لازمه عليه؛ فإن انتفاء اللازم يدل على انتفاء الملزوم، وبأنه خالق كل شيء وكل ما سواه مخلوق له، ليس فيه شيء مولود له، فهو سبحانه غني بذاته، يمتنع في حقه أن يكون والدا وأن يكون مولودا (3) .
(1) انظر البرهان في علوم القرآن 1/341، والتبيان في إعراب القرآن 1/237 .
(2) مجموع الفتاوى 17/239 بتصرف .
(3) السابق 17/220 بتصرف .