فهرس الكتاب

الصفحة 326 من 1188

غير أن الأمر في تقديم دعاء العبادة على دعاء المسألة وطلب الاستعانة إنما هو باعتبار منزلة كل منهما في الدلالة على توحيد الله - عز وجل -، فتقديم دعاء العبادة مثلا على الاستعانة في فاتحة الكتاب من باب تقديم الغايات على الوسائل، إذ العبادة غاية العباد التي خلقوا لها والاستعانة وسيلة إليها، كما أن قوله إياك نعبد متعلق بألوهيته واسمه الله، وإياك نستعين متعلق بربوبيته واسمه الرب، فقدم إياك نعبد على إياك نستعين كما قدم اسم الله على الرب في أول السورة فقال: { الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } [الفاتحة:2] ، لأن إياك نعبد فيها ما اختص به الرب، فكان من الشطر الأول الذي هو ثناء على الله تعالى لكونه أولى به، وإياك نستعين فيها ما اختص به العبد فكان من الشطر الذي له وهو اهدنا الصراط المستقيم إلى آخر السورة .

كما أن العبادة المطلقة تتضمن الاستعانة من غير عكس، فكل عابد لله عبودية تامة مستعين به ولا ينعكس، لأن صاحب الأغراض والشهوات قد يستعين به على شهواته فكانت العبادة أكمل وأتم ولهذا كانت فيما اختص به الرب، ولأن الاستعانة أيضا جزء من العبادة من غير عكس، وكذلك فإن الاستعانة طلب منه والعبادة طلب له، ولأن العبادة لا تكون إلا من مخلص، والاستعانة تكون من مخلص ومن غير مخلص، ولأن العبادة حقه سبحانه الذي أوجبه عليك، والاستعانة طلب العون على العبادة وهو بيان صدقته التي تصدق بها عليك، وأداء حقه أهم من التعرض لصدقته .

ومن ذك أيضا أن العبادة شكر نعمته عليك، والله يحب أن يشكر، والإعانة فعله بك وتوفيقه لك، فإذا التزمت عبوديته ودخلت تحت رقها أعانك عليها؛ فكان التزامها والدخول تحت رقها سببا لنيل الإعانة، وكلما كان العبد أتم عبودية كانت الإعانة من الله له أعظم، والعبودية محفوفة بإعانتين، إعانة قبلها على التزامها والقيام بها، وإعانة بعدها على شكرها بعبودية أخرى، وهكذا أبدا حتى يقضي العبد نحبه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت