فهرس الكتاب

الصفحة 498 من 1188

وهنا مسألة مهمة في معرفة الأسماء الأربعة التي تقدمت وهي الأول والآخر والظاهر والباطن، فإن هذه الأسماء كما ذكر ابن القيم رحمه الله هي أركان العلم والمعرفة، فحقيق بالعبد أن يبلغ في معرفتها إلى حيث تنتهي به قواه وفهمه، فالعبد له أول وآخر وظاهر وباطن، بل كل شيء له أول وآخر وظاهر وباطن، حتى الخطرة واللحظة والنفس وأدنى من ذلك وأكثر، فأولية الله - عز وجل - سابقة على أولية كل ما سواه، وآخريته ثابتة بعد آخرية كل ما سواه، فأوليته سبقه لكل شيء وآخريته بقاؤه بعد كل شيء وظاهريته سبحانه فوقيته وعلوه على كل شيء، ومعنى الظهور يقتضي العلو، وظاهر الشيء هو ما علا منه وأحاط بباطنه، وبطونه سبحانه إحاطته بكل شيء بحيث يكون أقرب إليه من نفسه، فمدار هذه الأسماء الأربعة على الإحاطة .

وهي إحاطتان: زمانية ومكانية، فإحاطة أوليته وآخريته بالقبلية والبعدية فكل سابق انتهى إلى أوليته، وكل آخر انتهى إلى آخريته، فأحاطت أوليته وآخريته بالأوائل والأواخر، وأحاطت ظاهريته وباطنيته بكل ظاهر وباطن، فما من ظاهر إلا والله فوقه، وما من باطن إلا والله من ورائه، وما من أول إلا والله قبله، وما من آخر إلا والله بعده، فالأول أزله، والآخر دوامه وبقاؤه، والظاهر علوه وعظمته والباطن قربه ودنوه، فسبق كل شيء بأوليته، وبقى بعد كل شيء بآخريته، وعلا على كل شيء بظهوره، ودنا من كل شيء ببطونه، فلا تواري منه سماء سماءً، ولا أرض أرضا، ولا يحجب عنه ظاهر باطنا، بل الباطن له ظاهر، والغيب عنده شهادة والبعيد منه قريب، والسر عنده علانية، فهذه الأسماء الأربعة تشتمل على أركان التوحيد، فهو الأول في آخريته والآخر في أوليته، والظاهر في بطونه والباطن في ظهوره، لم يزل أولا وآخرا وظاهرا وباطنا (1) .

(1) طريق الهجرتين 1/49 بتصرف .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت