والقيوم سبحانه هو القائم بنفسه الذي بلغ مطلق الكمال في وصفه، والباقي بكماله ووصفه على الدوام دون تغيير أو تأثير، فقد يكون الحي سميعا لكن يتأثر سمعه مع مرور الوقت، فيفتقر إلى وسيلة إضافية للسماع، يضع سماعة أو آلة يستعين بها لإكمال سمعه، فيلزم لاتصافه بكمال السمع أن يكون قيوما في سمعه، له البقاء والكمال فيه على الدوام، وقد يكون الحي بصيرا لكن بصره يتأثر مع مرور الوقت فيفتقر إلى وسيلة إضافية للإبصار، فيضع زجاجة أو نظارة يستعين بها، فيلزم لاتصافه بكمال البصر والإبصار أن يكون قيوما في بصره له البقاء والكمال فيه على الدوام، والحي قد يكون متصفا بالصفات لكنه يتأثر بالغفلة والسنات، فتتأثر صفاته وتضمحل وربما ينام أو يموت فتزول وتنعدم، فلو كان قائما دائما لكملت حياته وبقيت صفاته، ولذلك قال تعالى: { اللهُ لا إِلهَ إِلا هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ } [البقرة:255] ، فأثبت الحياة والقيومية اللازمة لكمال أسمائه وصفاته وأفعاله، وهذا المعنى كله في دلالة القيوم على صفة الذات، أما دلالته على صفة الفعل فالقيومية هنا مردها إلى معنى الربوبية فالقيم في اللغة هو السيد الذي يسوس الأمور ويدبرها، فقيم البلدة سيدها وأمينها ومدبرها ومنه قوله: { أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ } [الرعد:33] (1) وعند البخاري مرفوعا: ( أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ ) (2) .
دلالة الاسم على أوصاف الله .
اسم القيوم يدل على ذات الله وعلى صفة القيومية بدلالة المطابقة، ويدل على ذات الله وحدها بالتضمن وعلى الصفة وحدها بالتضمن، قال ابن القيم:
هذا ومن أوصافه القيوم والقيوم في أوصافه أمران
أحداهما القيوم قام بنفسه والكون قام به هما الأمران
(1) تفسير البيضاوي 1/555، وتفسير القرطبي 3/272، وتفسير ابن كثير 1/309 .
(2) البخاري في كتاب التهجد 5/2328 (5958) .