الأول: ما كان محصورا بالمحاور الفراغية المعروفة في محيط المخلوقات المشهودة والذي يخضع لأحكامنا العقلية ولأقيستنا المنطقية، فمكان الشيء يحدد في المقاييس الحديثة باعتبار ثلاثة محاور رئيسية متعامدة، اثنان يمثلان المستوى الأفقي الموازي لسطح الأرض والثالث يمثل الارتفاع عن ذلك المستوى، وأجسام الدنيا يحدد مكانها بمدى الارتفاع في المحور الرأسي عن مستوى المحورين الأفقيين، ولاشك أن تلك المقاييس المكانية لا تصلح بحال ما في قياس ما هو خارج عن محيط العالم، فضلا عن قياس الأشياء الدقيقة كالإلكترون في دورانه حول نواة الذرة، فقد ثبت أن محاوره أكثر من ثلاثة بكثير .
الثاني: يراد به المكان الغيبي الذي يخرج عن مداركنا ولا نعلم خصائصه لصعوبة ذلك علينا، والمكان بهذا الاعتبار حق موجود ولا يخضع بحال من الأحوال لمقاييس المكان في حسابات المخلوقين، فلا يمكن للمتكلمين أن يطبقوا هذه المقاييس على ملك الموت عندما يأتي لقبض الأرواح مع أنه مخلوق له ذات وكينونة منفصلة، وهو مع ذلك لا يحجبه باب ولا جدار، ولا يمنعه جب أو قرار كما قال رب العزة والجلال: { أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ } [النساء:78] ، فملك الموت مخلوق باتفاق ولا يخضع في مكانه وزمانه لمقاييسنا التي يريدون بها الحكم على استواء الله على عرشه، ومن ثم لا يصلح أن نمنع دلالة الآيات والأحاديث ونحول معنى اسم الله العلي من علو الفوقية إلى علو الرتبة والمنزلة بحجة أننا لو أثبتناها لكان الله في مكان، فعلو الشأن ثابت بدلالة اسمه الأعلى، وعلو القهر ثابت بدلالة اسمه المتعال .