فهرس الكتاب

الصفحة 93 من 150

في المنام صورا لا نشاهدها في اليقظة، كذلك نشاهد في حال انخلاعنا عن البدن أمورًا لم نكن نشاهدها في الحياة. وإلى ذلك يشير قول من قال: الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا.

فانا نصدق بأن القبر يوسع على الميت من أهل السعادة بمقدار ما يعلمه الله تعالى، وأنه يبقى في النعيم إلى ما شاء الله وكذلك نصدق بأن الحية مثلا موجودة تلدغ الميت، ولكنا لا نشاهد ذلك فإن هذه العين لا تصلح لمشاهدة تلك الأمور الملكوتية، وكل ما يتعلق بالآخرة فهو من عالم الملكوت.

وقال في موضع آخر من الكتاب:- هذا ولا ينافي ذلك قوله تعالى: (إنك لا تسمع الموتى) لقوله تعالى: (إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور) فإنه لولا خلق الله للإسماع لم يكن إسماع لأي شخص من أي شخص حتى في الدنيا وفي حال اليقظة، ولكن الله يسمعهم، وإلا فكيف كان يتكلم صلى الله عليه وسلم مع قتلى بدر الواقعين في القليب، وكيف يقول صلى الله عليه وسلم أن الموتى يسمعون قرع نعال المشيعين لهم، وكيف كان مجال لتلقين الموتى بعد الدفن؟

وإن كانت شبهتهم من جهة أنه تأثير لما سوى الله تعالى، فهي مدفوعة بأن المتوسلين لا يريدون منهم التأثير والإيجاد، معاذ الله أن يتصور المسلم صحة شيء مخالف لقواعد الإيمان والإسلام والتوحيد، وإن كانت الشبهة وقوع بعض ألفاظ غير سليمة من الخلل، فهي مدفوعة بتداركها بأدنى عناية حول تربية المسلمين لترك الألفاظ غير السليمة، واستعمال ما يناسب مقام العبودية.

وأما منع التوسل مطلقًا فلا وجه له مع ثبوته في الأحاديث الصحيحة، ومع صدوره من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وسلف الأمة وخلفها، وجعل التوسل شركا وكفرا معارضة صريحة لقواعد الإسلام، فإن من قواعده عدم تكفير أي مسلم إلا بعد ثبوت مكفر منه لا يقبل التأويل، واضلال للأمة المعصومة من الخطأ فضلا عن الكفر بقوله صلى الله عليه وسلم"لا تجتمع أمتي على ضلالة"، الحديث المعروف المشهور الجلي الذي ادعى بعض المحدثين انه متواتر، ومخاصمة مع قوله تعالى (كنتم خير أمة أخرجت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت