ونظير هذه المسألة: مسألة الصحة والمرض، فإنَّ الشريعة الإسلامية جاءت بأكمل الأمور فيها؛ أمرت
بكل ما يحفظ الصحة وينميها، وما يدفع الأمراض أو يخففها بحسب الإمكان، وفصلت في هذا
الموضوع تفاصيل نافعة، تدور على حفظ الصحة وتنميتها، والحمية من جميع المؤذيات والأمور
الضارة، وعلى الساعي التحرز من الأمراض قبل نزولها.
وأمرت مع ذلك: بالتوكل على الله بالاعتماد عليه، والعلم بأنه تعالى هو المعطي للنعم، الدافع للنقم
بلطفه وقدرته ورحمته، وبما جعله من الأسباب الكثيرة التي علمها الله العباد، وأمرهم بسلوكها، وأمر
أيضًا بمقاومة الأمراض بأمور أخرى غير الأدوية الحسية، أمر بالصبر لله على المكاره إيمانًا به
واحتسابًا لثوابه، فإنه بذلك تخف مشقة الأمراض بما يحصل للصابر المحتسب من الإيمان واليقين
والثواب العاجل والآجل.
وكذلك أمر: بقوة الاعتماد على الله عند نزول المصائب والمكاره، وأن لا يخضع الإنسان ويضعف قلبه
وإرادته، وتستولي عليه الخيالات التي هي أمراض فتاكة، فكم من مرض يسير بسيط عظمت وطأته
بسبب ضعف القلب وخوره وانخداعه بالأوهام والخيالات، وكم من مرض عظيم هانت مشقته وسهلت
وطأته حين اعتمد القلب على الله، وقوي إيمانه وتوكله، وزال الخوف منه، وهذا أمر مشاهد
محسوس.
فالدين الإسلامي أمر بالأمرين في وقت واحد:
أمر بفعل الأسباب النافعة، وبالاعتماد على الله في نفعها، وتحصيل المنافع ودفع المضار، بحسب
الاستطاعة، وكذلك النعم والمسار، والمكاره، والمصائب، جاءت شريعة الإسلام فيها بأكمل الحالات.
أمر الله ورسوله بتلقي النعم وبالافتقار إلى الله فيها، والاعتراف التام بفضل الله بتقديرها وتيسيرها،
وشكر المنعم بِهَا شكرًا متتابعًا، وتصريفها فيما كان لأجله، والاستعانة بِهَا على عبادة الله، وأنَّ لا
يكون العبد عندها أشرًا ولا بطرًا، بل متواضعًا شاكرًا.