والأصل إذا أمرنا مترفي قرية ففسقوا فيها أردنا إهلاكها فحق عليها القول ، ونظيره على ما قيل قوله تعالى: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصلاة فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مّنْهُمْ مَّعَكَ} [النساء: 102] وآخرون بأن قوله تعالى: {أَمْرُنَا} الخ في موضع الصفة لقرية وجواب إذا محذوف للاستغناء عنه بما في الكلام من الدلالة عليه كما قيل في قوله تعالى: {حتى إِذَا جَاءوهَا وَفُتِحَتْ أبوابها} إلى قوله سبحانه: {وَنِعْمَ أَجْرُ العاملين} [الزمر: 73 ، 74] وقول الهذلي وهو آخر قصيدة:
حتى إذا اسلكوهم في قتائدة...
شلا كما تطرد الجمالة الشردا
وقيل في الجواب عن ذلك غير ذلك فتدبر.
{وَكَمْ أَهْلَكْنَا} أي كثيراً ما أهلكنا {مّنَ القرون} تمييز لكم والقرن على ما قال الراغب القوم المقترنون في زمان واحد ، وعن عبد الله بن أبي أوفى هو مدة مائة وعشرين سنة ، وعن محمد بن القاسم المازني وروي مرفوعاً أنه مائة سنة ، وجاء أنه صلى الله عليه وسلم دعا لرجل فقال: عش قرناً فعاش مائة سنة أو مائة وعشرين ، وعن الكلبي أنه ثمانون سنة ، وعن ابن سيرين أنه أربعون سنة {مِن بَعْدِ نُوحٍ} من بعد زمنه عليه السلام كعاد وثمود ومن بعدهم ممن قصت أحوالهم في القرآن العظيم ومن لم تقص ، وخص نوح عليه السلام بالذكر ولم يقل من بعد آدم لأنه أول رسول آذاه قومه فاستأصلهم العذاب ففيه تهديد وإنذار للمشركين ولظهور حال قومه لم ينظموا في القرون المهلكة على أن ذكره عليه السلام رمز إلى ذكرهم ، ومن الأولى للتبيين لا زائدة والثانية لابتداء الغاية فلذا جاز اتحاد متعلقهما ، وقال الحوفي: من الثانية بدل من الأولى وليس بجيد.