وفي الآية دلالة أن حجة التوحيد قد لزمتهم وقامت عليهم بالعمل، حيث قال: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) ؛ فلو لم تلزمهم لكان الرسل إذا دعوهم إلى ذلك يقولون: من أنتم ومن بعثكم إلينا؛ فإذا لم يكن لهم هذا الاحتجاج دل أن الحجة قد قامت عليهم، لكن اللَّه بفضله أراد أن يدفع الشبه عنهم ويقطع عنهم عذرهم برسول يبعث إليهم؛ لما أن أسباب العلم بالأمور ثلاثة:
فمنها ما يعلم بظاهر الحواس بالبديهة، ومنها ما يفهم ويعلم بالتأمل والنظر، ومنها ما لا يعلم إلا بالتعليم والتنبيه.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: (وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا) وهو ما ذكرنا، أي: نخرج بذلك العمل كتابًا.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: أي نكتب ما عمل ثم نقلده في عنقه فيجيء به يوم القيامة.
وقال أبو عبيدة: طائره حظه.
وقال غيره من المفسرين: ما عمل من خير وشر ألزمناه عنقه.
قَالَ الْقُتَبِيُّ: وهذان المعنيان يحتاجان إلى بيان.
والمعنى فيما أرى - واللَّه أعلم - أن لكل امرئ حظًّا من الخير والشر قد قضاه اللَّه؛ فهو لازم عنقه، والعرب تقول: إن كل ما لزم الإنسان قد لزم عنقه، وهو لازم طائر في عنقه، وهذا لك عليَّ وفي عنقي حتى أخرج منه؛ وإنما قيل للحظ من الخير والشر: طائر؛ لقول العرب ما ذكرنا: جرى له الطائر بكذا من الخير، وجرى له الطائر بكذا من الشر؛ على وجه الفأل والطيرة على مذهبهم في تسمية الشيء بما كان له سببًا، وهو ما ذكر.
وقوله: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) .
التعذيب يكون على وجوه ثلاثة:
أحدها: يعذبهم في الدنيا ابتداء بتعذيب؛ امتحانًا وابتلاء بلا جريمة كانت منهم؛ كقوله: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً) ، وقوله: (وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ) ، ونحوه؛ فيكون تنبيهًا وتذكيرًا لهم لا تكفيرًا.