والثالث: نزلت في عبد الله بن عبد الله بن أُبيّ ، وذلك أنه كان جالساً إلى جنب رسول الله ، فشرب رسول الله ماءً ، فقال عبد الله: يا رسول الله أبق فضلة من شرابك ، قال: وما تصنع بها؟ قال: أسقيها أبي ، لعل الله سبحانه يطهر قلبه ، ففعل فأتى بها أباه ، فقال: ما هذا؟ قال: فضلة من شراب رسول الله جئتك بها لتشربها ، لعل الله يطهر قلبك ، فقال: هلا جئتني ببول أُمِّكَ! فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: يا رسول الله: ائذن لي في قتل أبي ، قال: فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ارفق به ، وأحسن إليه"، فنزلت هذه الآية قاله السدي.
والرابع: أنها نزلت في حاطب بن أبي بَلْتَعَةَ حين كتب إلى أهل مكة يخبرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عزم على قصدهم ، قاله مقاتل ، واختاره الفراء ، والزجاج.
وهذه الآية قد بَيَّنتْ أن مودَّة الكفار تقدح في صحة الإيمان ، وأن من كان مؤمناً لم يوالِ كافراً وإِن كان أباه أو ابنه أو أحداً من عشيرته.
قوله تعالى: {أولئك} الذين ، يعني: الذين لا يوادُّون من حادَّ الله ورسوله {كَتب في قلوبهم الإيمان} وقرأ المفضل عن عاصم"كُتِبَ"برفع الكاف والنون من"الإيمان".
وفي معنى"كتب"خمسة أقوال.
أحدها: أثبت في قلوبهم الإيمان ، قاله الربيع بن أنس.
والثاني: جعل ، قاله مقاتل.
والثالث: كتب في اللوح المحفوظ أن في قلوبهم الإيمان حكاه الماوردي.
والرابع: حكم لهم بالإيمان.
وإنما ذكر القلوب ، لأنها موضع الإيمان ، ذكره الثعلبي.
والخامس: جمع في قلوبهم الإيمان حتى استكملوه ، قاله الواحدي.
قوله تعالى: {وأيَّدهم} أي: قوَّاهم {بروحٍ منه} وفي المراد"بالروح"هاهنا خمسة أقوال:
أحدها: أنه النصر ، قاله ابن عباس ، والحسن.
فعلى هذا سمي النصر روحاً ، لأن أمرهم يحيا به.
والثاني: الإيمان ، قاله السدي.
والثالث: القرآن ، قاله الربيع.