والثاني: أنه لو كان ذلك واجباً لما أزيل وجوبه بكلام متصل به ، وهو {أَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا} إلى آخر الآية .
والثالث: أن قوله:
{فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} إلخ معناه: إن لم تفعلوا ما ندبتم إليه من تقديم الصدقات قبل مناجاة الرسول ، والحال أن الله قد رجع إليكم بالتخفيف والتسهيل فيما شرعه لكم ، فلم يعاملكم كما كان يعامل الأمم السابقة ولم يعنتكم بشيء مما أوجبه عليكم ، فلذا ندبكم إلى هذا الأمر ، ولم يجعله عليكم فرضاً ، كما هي سنته في معاملتكم بالرأفة والرحمة ، فأقيموا الصلاة ... إلخ . فقوله: {وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} قد ورد هنا بمعنى الرجوع إلى التخفيف والتسهيل على هذه الأمة ، والعدول عن معاملتها كسابقيها ، لا بمعنى التجاوز عن السيئات وغفران الذنوب . وقد ورد بذلك المعنى أيضاً في آية أخرى في سورة المزمل ، في قوله تعالى {عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ} [المزمل: 20] ، أي: رجع إليكم بالتخفيف ، ورفع عنكم ما يشق عليكم . وليس معناه في هاتين الآيتين العفو عن الذنوب ، إذ لا ذنب هنا صدر منهم . هذا ملخص ما حققه من ذهب على امتناع النسخ . والحق لا تخفى قرته وسكون النفس إليه . وبالله التوفيق .
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [14]
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم} يعني المنافقين الذين كانوا يتولون اليهود ويناصحونهم وينقلون إليهم أسرار المؤمنين ، كما بينته آية: {أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} [الحشر: 11] الآية .