ثم استمر تزايد الإسلام واستقام طريقه على مدة حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- ومن بعد موته وأكثر قرن الصحابة -رضي الله عنهم-، إلى أن نبغت فيهم نوابغ الخروج عن السنة وأصغوا إلى البدع المضلة؛ كبدعة القدر، وبدعة الخوارج؛ وهي التي نبه عليها الحديث بقوله:"يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم" (1) ، يعني: لا يتفقهون فيه بل يأخذونه على الظاهر: وهذا كله في آخر عهد الصحابة.
ثم لم تزل الفرق تكثر حسبما وعد به الصادق -صلى الله عليه وسلم- في قوله:"افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة" (2) ، وفي الحديث
الآخر:"لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع حتى لو دخلوا في جحر ضب لاتبعتموهم، قلنا: يا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟!" (1) ، وهذا أعم من الأول فإن الأول عند كثير من أهل العلم خاص بأهل الأهواء، وهذا الثاني عام في المخالفات ويدل على ذلك من الحديث قوله:"حتى لو دخلوا في جحر ضب لاتبعتموهم".
الغربة الرابعة:
كان الإسلام في أول وجدته مقاومًا، بل ظاهرًا وأهله غالبون وسوادهم أعظم الأسودة؛ فخلا من وصف الغربة بكثرة الأهل والأولياء الناصرين، فلم يكن لغيرهم ممن لم يسلك سبيلهم أو سلكه، ولكنه ابتدع فيه صولة يعظم موقعها ولا قوة يضعف دونها حزب الله المفلحون، فصار على استقامة، وجرى على اجتماع واتساق، فالشاذ مقهور مضطهد إلى أن أخذ اجتماعه في الافتراق الموعود وقوته إلى الضعف المنتظر، والشاذ عنه تقوى صولته ويكثر سواده، واقتضى سر التأسي المطالبة بالموافقة، ولا شك أن الغالب أغلب؛ فتكالبت على سواد السنة البدع والأهواء، فتفرق أكثرهم شيعًا، وهذه سنة الله في الخلق أن أهل الحق في جنب أهل الباطل قليل لقوله تعالى: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف: 103] وقوله تعالى: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} (سبأ: 13) .