ولينجز الله ما وعد به نبيه -صلى الله عليه وسلم- من عود وصف الغربة إليه؛ فإن الغربة لا تكون إلا مع فقد الأهل أو قلتهم، وذلك حين يصير المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، وتصير السنة بدعة والبدعة سنة؛ فيقام على أهل السنة بالتثريب والتعنيف، كما كان أولًا يقام على أهل البدعة طمعًا من المبتدع أن تجتمع كلمة الضلال، ويأبى الله أن تجتمع حتى تقوم الساعة، فلا تجتمع الفرق كلها على كثرتها على مخالفة السنة عادة وسمعًا، بل لا بد أن تثبت جماعة أهل السنة حتى يأتي أمر الله، غير أنهم لكثرة ما تناوشهم الفرق الضالة وتناصبهم العداوة
والبغضاء استدعاء إلى موافقتهم- لا يزالون في جهاد ونزاع ومدافعة وقراع آناء الليل والنهار وبذلك يضاعف الله لهم الأجر الجزيل ويثيبهم الثواب العظيم.
غربة الإسلام في أول الأمر:
قال ابن رجب الحنبلي: لما بعث النبي -صلى الله عليه وسلم- ودعا إلى الإسلام لم يستجب له في أول الأمر إلا الواحد بعد الواحد من كل قبيلة، وكان المستجيب له خائفًا من عشيرته وقبيلته، يؤذى غاية الأذى، وينال منه وهو صابر على ذلك في الله -عز وجل-، وكان المسلمون إذ ذاك مستضعفين يشردون كل مشرد، ويهربون بدينهم إلى البلاد النائية كما هاجروا إلى الحبشة مرتين؛ ثم هاجروا إلى المدينة، وكان منهم من يعذب في الله ومنهم من يقتل، فكان الداخلون في الإسلام حينئذ غرباء، ثم ظهر الإسلام بعد الهجرة إلى المدينة وعز وصار أهله ظاهرين كل الظهور، ودخل الناس بعد ذلك في دين الله أفواجًا، وأكمل الله لهم الدين وأتم عليهم النعمة.
وتوفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والأمر على ذلك، وأهل الإسلام على غاية من الاستقامة في دينهم، وهم متعاضدون متناصرون، وكانوا على ذلك في زمن أبي بكر وعمر -رضي الله عنهم-.
ومن أكبر الأدلة على غربة هذا الدين في أول أمره؛ حال المسلمين في أول الأمر من تعذيب واضطهاد وقتل وتشريد وخوف، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- بدأ هذه الدعوة وحده وكان غريبًا لأنه جاء بشيء غريب، ثم آمن معه قلة قلائل مَنْ قذف الله الإيمان في قلوبهم.